وتقديم ﴿ ربي ﴾ على فعل ﴿ أكرمني ﴾ وفعلل ﴿ أهانني ﴾ ، دون أن يقول : أكرمني ربي أو أهانني ربي ، لقصد تقوي الحكم ، أي يقول ذلك جازما به غير متردد .
وجملتا : ﴿ فيقول ﴾ في الموضعين جوابان ل ( إما ) الأولى والثانية ، أي يطرد قول الإنسان هذه المقالة كلما حصلت له نعمة وكلما حصل له تقتير رزق .
وأوثر الفعل المضارع في الجوابين لإفادة تكرر ذلك القول وتجدده كلما حصل مضمون الشرطين .
وحرف ﴿ كلا ﴾ زجر عن قول الإنسان ﴿ ربي أكرمن ﴾ عند حصول النعمة . وقوله : ﴿ ربي أهانني ﴾ عندما يناله تقتير ، فهو ردع عن اعتقاد ذلك فمناط الردع كلا القولين لأن كل قول منهما صادر عن تأول باطل ، أي ليست حالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا دليلا على منزلته عند الله تعالى . وإنما يعرف مراد الله بالطرق التي أرشد الله إليها بواسطة رسله وشرائعه ، قال تعالى : ﴿ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا إلى قوله : فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾ في سورة الكهف ( 103 105 ) . فرب رجل في نعمة في الدنيا هو مسخوط عليه ورب أشعث أغبر مطرود بالأبواب لو أقسم على الله لأبره .
فمناط الردع جعل الإنعام علامة على إرادة الله إكرام المنعم عليه وجعل التقتير علامة على إرادة الإهانة ، وليس مناطه وقوع الكرامة ووقوع الإهانة لأن الله أهان الكافر بعذاب الآخرة ولو شاء إهانته في الدنيا لأجل الكفر لأهان جميع الكفرة بتقتير الرزق .
وبهذا ظهر أن لا تنافي بين إثبات إكرام الله تعالى الإنسان بقوله : ﴿ فأكرمه ﴾ وبين إبطال ذلك بقوله : ﴿ كلا ﴾ لأن الإبطال وارد على ما قصده الإنسان بقوله : ﴿ ربي أكرمن ﴾ أن ما ناله من النعمة علامة على رضى الله عنه .
فالمعنى : أن لشأن الله في معاملته الناس في هذا العالم أسرارا وعللا لا يحاط بها ، وأن أهل الجهالة بمعزل عن إدراك سرها بأقيسة وهمية ، والاستناد لمألوفات عادية ، وأن الأولى لهم أن يتطلبوا الحقائق من دلائلها العقلية ، وأن يعرفوا مراد الله من وحيه إلى رسله . وأن يحذروا من أن يحيدوا بالأدلة عن مدلولها . وأن يستنتجوا الفروع من غير أصولها .
وأما أهل العلم فهم يضعون الأشياء مواضعها ، ويتوسمون التوسم المستند إلى الهدي ولا يخلطون ولا يخبطون .
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ربي ﴾ في الموضعين بفتح الياء . وقرأ الباقون بسكونها .
وقرأ الجمهور ﴿ فقدر عليه ﴾ بتخفيف الدال . وقرأه ابن عامر وأبو جعفر بتشديد الدال .
وقرأ نافع : ﴿ أكرمن ، وأهانن ﴾ بياء بعد النون في الوصل وبحذفها في الوقف . وقرأهما ابن كثير بالياء في الوصل والوقف ، وقرأهما ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بدون ياء في الوصل والوقف . وهو مرسوم في المصحف بدون نون بعد الياءين ولا منافاة بين الرواية واسم المصحف . و ﴿ كلا ﴾ ردع عن هذا القول أي ليس ابتلاء الله الإنسان بالنعيم وبتقتير الرزق مسببا على إرادة الله تكريم الإنسان ولا على إرادته إهانته . وهذا ردع مجمل لم يتعرض القرآن لتبيينه اكتفاء بتذييل أحوال الأمم الثلاث في نعمتهم بقوله : ﴿ إن ربك لبالمرصاد ﴾ ( الفجر : 14 ) بعد قوله : ﴿ فصب عليهم ربك سوط عذاب ﴾ ( الفجر : 13 ) .
.
﴿ بل ﴾ إضراب انتقالي . والمناسبة بين الغرضين المنتقل منه والمنتقلل إليه مناسبة المقابلة لمضمون ﴿ فأكرمه ونعمه ﴾ من جهة ما توهموه أن نعمة مالهم وسعة عيشهم تكريم من الله لهم ، فنبههم الله على أنهم إن أكرمهم الله فإنهم لم يكرموا عبيده شحا بالنعمة إذ حرموا أهل الحاجة من فضول أموالهم وإذ يستزيدون من المال ما لا يحتاجون إليه وذلك دحض لتفخرهم بالكرم والبذل .
فجملة : ﴿ لا تكرمون اليتيم ﴾ استئناف كما يقتضيه الإضراب ، فهو إما استئناف ابتداء كلام ، وإما اعتراض بين ﴿ كلا ﴾ وأختها كما سيأتي وإكرام اليتيم : سد خلته ، وحسن معاملته ، لأنه مظنة الحاجة لفقد عائله ، ولاستيلائهم على الأموال التي يتركها الآباء لأبنائهم الصغار . وقد كانت الأموال في الجاهلية يتداولها رؤساء العائلات .