واعلم أن من ضلال أهل الشرك ومن فتنة الشيطان لبعض جهلة المؤمنين أن يخيل إليهم ما يحصل لأحد بجعل الله من ارتباط المسببات بأسبابها والمعلولات بعللها فيضعوا ما يصادف نفع أحدهم من الحوادث موضع كرامة من الله للذي صادفته منافع ذلك ، تحكيما للشاهية ومحبة النفس ورجما بالغيب وافتياتا على الله ، وإذا صادف أحدهم من الحوادث ما جلب له ضرا تخيله بأوهامه انتقاما من الله قصده به ، تشاؤما منهم .
فهؤلاء الذين زعموا ما نالهم من نعمة الله إكراما من الله لهم ليسوا أهلا لكرامة الله .
وهؤلاء الذين توهموا ما صادفهم من فتور الزرق إهانة من الله لهم ليسوا بأحط عند الله من الذين زعموا أن الله أكرمهم بما هم فيه من نعمة .
فذلك الإعتقاد أوجب تغلغل أهل الشرك في إشراكهم وصرف أنظارهم عن التدبر فيما يخالف ذلك ، وربما جرت الوساوس الشيطانية فتنة من ذلك لبعض ضعفاء الإيمان وقصار الأنظار والجهال بالعقيدة الحق كما أفصح أحمد بن الراوندي . عن تزلزل فهمهم وقلة علمهم بقوله :
كم عاقلل عاقلل أعيت مذاهبه
وجاهلل جاهلل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأفهام حائرة
وصير العالم النحرير زنديقا
وذلك ما صرف الضالين عن تطلب الحقائق من دلائلها ، وصرفهم عن التدبر فيما ينيل صاحبه رضى الله وما يوقع في غضبه ، وعلم الله واسع وتصرفاته شتى وكلها صادرة عن حكمة ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ﴾ ( البقرة : 255 ) . فقد يأتي الضر للعبد من عدة أسباب وقد يأتي النفع من أخرى . وبعض ذلك جار في
الظاهر على المعتاد ، ومنه ما فيه سمة خرق العادة . فربما أتت الرزايا من وجوه الفوائد ، والموفق يتيقظ للأماراتت قال تعالى : ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ ( الأنعام : 44 ) وقال : ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبيء إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ﴾ ( الأعراف : 94 ، 95 ) وقال : ﴿ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ﴾ ( التوبة : 126 ) .
وتصرفات الله متشابهة بعضها يدل على مراده من الناس وبعضها جار على ما قدره من نظام العالم وكل قد قضاه وقدره وسبق علمه به وربط مسبباته بأسبابه مباشرة أو بواسطة أو وسائط والمتبصر يأخذ بالحيطة لنفسه وقومه ولا يقول على الله ما يمليه عليه وهمه ولم تنهض دلائله ، ويفوض ما أشكل عليه إلى علم الله . وليس مثل هذا المحكي عنهم من شأن المسلمين المهتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والمتبصرين في مجاري التصرفات الربانية . وقد نجد في بعض العوام ومن يشبههم من الغافلين بقايا مت اعتقاد أهل الجاهلية لإيجاد التخيلات التي تمليها على عقولهم فالواجب عليهم أن يتعظوا بموعظة الله في هذه الآية .
لا جرم أن الله قد يعجل جزاء الخير لبعض الصالحين من عباده كما قال : ﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ ( النحل : 97 ) . وقد يعجل العقاب لمن يغضب عليه من عباده . وقد حكى عن نوح قوله لقومه : ﴿ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ﴾ ( نوح : 10 12 ) وقال تعالى : ﴿ وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ ( الجن : 16 ) . ولهذه المعاملة علامات أظهرها أن تجري على خلاف المألوف كما نرى في نصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء على الأمم العظيمة القاهرة . وتلك مواعيد من الله يحققها أو وعيد منه يحيق بمستحقيه .
وحرف ( أما ) يفيد تفصيلا في الغالب ، أي يدل على تقابل بين شيئين من ذواتت وأحوال . ولذلك قد تكرر في الكلام ، فليس التفصيل المستفاد منها بمعنى تبيينن مجملل قبلها ، بل هو تفصيل وتقابل وتوازن ، وهو ضرب من ضروب