تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و ﴿ مصفوفة ﴾ : أي جعل بعضها قريبا من بعض صفا ، أي أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها .

و ﴿ زرابي ﴾ : جمع زربية بفتح الزاي وسكون الراء وكسر الموحدة وتشديد الياء ، وهي البساط أو الطنفسة ( بضم الطاء ) المنسوج من الصوف الملون الناعم يفرش في الأرض للزينة والجلوس عليه لأهل الترف واليسار .

والزربية نسبة إلى ( أذربيجان ) بلد من بلاد فارس وبخارى ، فأصل زربية أذربية ، حذفت همزتها للتخفيف لثقل الاسم لعجمته واتصال ياء النسب به ، وذالها مبدلة عن الزاي في كلام العرب لأن اسم البلد في لسان الفرس أزربيجان بالزاي المعجمة بعدها راء مهملة وليس في الكلام الفارسي حرف الذال ، وبلد ( أذربيجان ) مشهور بنعومة صوف أغنامه . واشتهر أيضا بدقة صنع البسط والطنافس ورقة خملها .

والمبثوثة : المنتشرة على الأرض بكثرة وذلك يفيد كناية عن الكثرة .

وقد قوبلت صفات وجوه أهل النار بصفات وجوه أهل الجنة فقوبلت صفات ﴿ خاشعة ﴾ ( الغاشية : 2 ) ، ﴿ عاملة ﴾ ، ﴿ ناصبة ﴾ ( الغاشية : 3 ) بصفات ﴿ ناعمة لسعيها راضية ﴾ ( الغاشية : 8 ، 9 ) ، وقوبل قوله : ﴿ تصلى نارا حامية ﴾ ( الغاشية : 4 ) بقوله : في ﴿ جنة عالية ﴾ ( الغاشية : 10 ) . وقوبل : ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ ( الغاشية : 5 ) بقوله : ﴿ فيها عين جارية ﴾ ( الغاشية : 12 ) ، وقوبل شقاء عيش أهل النار الذي أفاده قوله : ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ﴾ ( الغاشية : 6 ، 7 ) ، بمقاعد أهل الجنة المشعرة بترف العيش من شراب ومتاع .

وهذا وعد للمؤمنين بأن لهم في الجنة ما يعرفون من النعيم في الدنيا وقد علموا أن ترف الجنة لا يبلغه الوصف بالكلام وجمع ذلك بوجه الإجمال في قوله تعالى : ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ﴾ ( الزخرف : 71 ) ، ولكن الأرواح ترتاح بمألوفاتها فتعطاها فيكون نعيم أرواح الناس في كل عصر ومن كل مصر في الدرجة القصوى مما ألفوه ولا سيما ما هو مألوف لجميع أهل الحضارة والترف وكانوا يتمنونه في الدنيا ثم يزادون من النعيم ( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) .

( 17 20 )

لما تقدم التذكير بيوم القيامة ووصف حال أهل الشقاء بما وصفوا به ، وكان قد تقرر فيما نزل من القرآن أن أهل الشقاء هم أهل الإشراك بالله ، فرع على ذلك إنكار عليهم إعراضهم عن النظر في دلائل الوحدانية ، فالفاء في قوله : ﴿ أفلا ينظرون ﴾ تفريع التعليل على المعلل لأن فظاعة ذلك الوعيد تجعل المقام مقام استدلال على أنهم محقوقون بوجوب النظر في دلائل الوحدانية التي هي أصل الاهتداء إلى تصديق ما أخبرهم به القرآن من البعث والجزاء ، وإلى الاهتداء إلى أن منشىء النشأة الأولى عن عدم بما فيها من عظيم الموجودات كالجبال والسماء ، لا يستبعد في جانب قدرته إعادة إنشاء الإنسان بعد فنائه عن عدم ، وهو دون

تلك الموجودات العظيمة الأحجام ، فكان إعراضهم عن النظر مجلبة لما يجشمهم من الشقاوة وما وقع بين هذا التفريع ، وبين المفرع عنه من جملة : ﴿ وجوه يومئذ ناعمة ﴾ ( الغاشية : 8 ) كان في موقع الاعتراض كما علمت .

فضمير ﴿ ينظرون ﴾ عائد إلى معلوم من سياق الكلام .

والهمزة للاستفهام الإنكاري إنكارا عليهم إهمال النظر في الحال إلى دقائق صنع الله في بعض مخلوقاته .

والنظر : نظر العين المفيد الاعتبار بدقائق المنظور ، وتعديته بحرف ( إلى ) تنبيه على إمعان النظر ليشعر الناظر مما في المنظور من الدقائق ، فإن قولهم نظر إلى كذا أشد في توجيه النظر من نظر كذا ، لما في ( إلى ) من معنى الانتهاء حتى كأن النظر انتهى عند المجرور ب ( إلى ) انتهاء تمكن واستقرار كما قال تعالى : ﴿ فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ﴾ ( الأحزاب : 19 ) وقوله : ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ ( القيامة : 23 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٥٤