تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولزيادة التنبيه على إنكار هذا الإهمال قيد فعل ﴿ ينظرون ﴾ بالكيفيات المعدودة في قوله : ﴿ كيف خلقت ﴾ ، ﴿ كيف رفعت ﴾ ، ﴿ كيف نصبت ﴾ ، ﴿ كيف سطحت ﴾ أي لم ينظروا إلى دقائق هيئات خلقها .

وجملة : ﴿ كيف خلقت ﴾ بدل اشتمال من الإبل والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو فعل ﴿ ينظرون ﴾ لا حرف الجر ، فإن حرف الجر آلة لتعدية الفعل إلى مفعوله فالفعل إن احتاج إلى حرف الجر في التعدية إلى المفعول لا يحتاج إليه في العمل في البدل ، وشتان بين ما يقتضيه إعمال المتبوع وما يقتضيه إعمال التابع فكل على ما يقتضيه معناه وموقعه ، فكيف منصوب على الحال بالفعل الذي يليه .

والمعنى والتقدير : أفلا ينظرون إلى الإبلل هيئة خلقها .

وقد عدت أشياء أربعة هي من الناظرين عن كثب لا تغيب عن أنظارهم ، وعطف بعضها على بعض ، فكان اشتراكها في مرآهم جهة جامعة بينها بالنسبة إليهم ، فإنهم المقصودون بهذا الإنكار والتوبيخ ، فالذي حسن اقتران الإبل مع

السماء والجبال والأرض في الذكر هنا ، هو أنها تنتظم في نظر جمهور العرب من أهل تهامة والحجاز ونجد وأمثالها من بلاد أهل الوبر والانتجاع .

فالإبل أموالهم ورواحلهم ، ومنها عيشهم ولباسهم ونسج بيوتهم وهي حمالة أثقالهم ، وقد خلقها الله خلقا عجيبا بقوة قوائمها ويسر بروكها لتيسير حمل الأمتعة عليها ، وجعل أعناقها طويلة قوية ليمكنها النهوض بما عليها من الأثقال بعد تحميلها أو بعد استراحتها في المنازل والمبارك ، وجعل في بطونها أمعاء تختزن الطعام والماء بحيث تصبر على العطش إلى عشرة أيام في السير في المفاوز مما يهلك فيما دونه غيرها من الحيوان .

وكم قد جرى ذكر الرواحل وصفاتها وحمدها في شعر العرب ولا تكاد تخلو قصيدة من طوالهم عن وصف الرواحل ومزاياها . وناهيك بما في المعلقات وما في قصيدة كعب بن زهير .

و ﴿ الإبل ﴾ : اسم جمع للبعران لا واحد له من لفظه ، وقد تقدم في قوله تعالى : { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما في سورة الأنعام .

وعن المبرد أنه فسر الإبل في هذه الآية بالأسحبة وتأوله الزمخشري بأنه لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب ولكنه أراد أنه من قبيل التشبيه ، أي هو على نحو قول عنترة :

جادت عليه كل بكر حرة

فتركن كل قرارة كالدرهم

ونقل بهم إلى التدبر في عظيم خلق السماء إذ هم ينظرونها نهارهم وليلهم في إقامتهم وظعنهم ، يرقبون أنواء المطر ويشيمون لمع البروق ، فقد عرف العرب بأنهم بنو ماء السماء ، قال زيادة الحارثي ( على تردد لشراح الحماسة في تأويل قوله ، بنو ماء السماء ) :

ونحن بنو ماء السماء فلا نرى

لأنفسنا من دون مملكة قصر

وفي كلام أبي هريرة وقد ذكر قصة هاجر فقال أبو هريرة في آخرها : إنها لأمكم يا بني ماء السماء ويتعرفون من النجوم ومنازل الشمس أوقات الليل والنهار ووجهة السير .

وأتبع ذكر السماء بذكر الجبال وكانت الجبال منازل لكثير منهم مثل جبلي أجإ وسلمى لطي . وينزلون سفوحها ليكونوا أقرب إلى الاعتصام بها عند الخوف ويتخذون فيها مراقب للحراسة .

والنصب : الرفع أي كيف رفعت وهي مع ارتفاعها ثابتة راسخة لا تميل .

وثم نزل بأنظارهم إلى الأرض وهي تحت أقدامهم وهي مرعاهم ومفترشهم ، وقد سطحها الله ، أي خلقها ممهدة للمشي والجلوس والاضطجاع . ومعنى سطحت } : سويت يقال : سطح الشيء إذا سواه ومنه سطح الدار .

والمراد بالأرض أرض كل قوم لا مجموع الكرة الأرضية .

وبنيت الأفعال الأربعة إلى المجهول للعلم بفاعل ذلك .

( 21 24 ) ﴿ ﴾

الفاء فصيحة تفريع على محصل ما سبق من أول السورة الذي هو التذكير بالغاشية وما اتصل به من ذكر إعراضهم وإنذارهم ، رتب على ذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدوام على تذكيرهم وأنه لا يؤيسه إصرارهم على الإعراض وعدم ادكارهم بما ألقى إليهم من المواعظ ، وتثبيته بأنه لا تبعة عليه من عدم إصغائهم إذ لم يبعث ملجئا لهم على الإيمان .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٥٥