( 14 16 ) }
جملة معطوفة على جملة : ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ ( البروج : 12 ) . ومضمونها قسيم لمضمون ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ لأنه لما أفيد تعليل مضمون جملة : ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين ﴾ ( البروج : 10 ) إلى آخره ، ناسب أن يقابل بتعليل مضمون جملة ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات ﴾ ( البروج : 11 ) إلى آخره ، فعلل بقوله : ﴿ وهو الغفور الودود ﴾ ، فهو يغفر للذين تابوا وآمنوا وعملوا الصالحات ما فرط منهم وهو يحب التوابين ويودهم .
و ﴿ الودود ﴾ : فعول بمعنى فاعل مشتق من الود وهو المحبة فمعنى الودود : المحب وهو من أسمائه تعالى ، أي إنه يحب مخلوقاته ما لم يحيدوا عن وصايته . والمحبة التي يوصف الله بها مستعملة في لازم المحبة في اللغة تقريبا للمعنى المتعالي عن الكيف وهو من معنى الرحمة ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن ربي رحيم ودود في آخر سورة هود .
ولما ذكر الله من صفاته ما تعلقه بمخلوقاته بحسب ما يستأهلونه من جزاء أعقب ذلك بصفاته الذاتية على وجه الاستطراد والتكملة بقوله : ذو العرش المجيد } تنبيها للعباد إلى وجوب عبادته لاستحقاقه العبادة لجلاله كما يعبدونه لاتقاء عقابه ورجاء نواله .
و ﴿ العرش ﴾ : اسم لعالم يحيط بجميع السماوات ، سمي عرشا لأنه دال على عظمة الله تعالى كما يدل العرش على أن صاحبه من الملوك .
و ﴿ المجيد ﴾ : العظيم القوي في نوعه ، ومن أمثالهم : ( في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار ) وهما شجران يكثر قدح النار من زندهما .
وقرأه الجمهور بالرفع على أنه خبر رابع عن ضمير الجلالة . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالجر نعتا للعرش فوصف العرش بالمجد كناية عن مجد صاحب العرش .
ثم ذيل ذلك بصفة جامعة لعظمته الذاتية وعظمة نعمه بقوله : ﴿ فعال لما يريد ﴾ أي إذا تعلقت إرادته بفعل ، فعله على أكمل ما تعلقت به إرادته لا ينقصه شيء ولا يبطىء به ما أراد تعجيله . فصيغة المبالغة في قوله : ﴿ فعال ﴾ للدلالة على الكثرة في الكمية والكيفية .
والإرادة هنا هي المعرفة عندنا بأنها صفة تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه وهي غير الإرادة بمعنى المحبة مثل ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ( البقرة : 185 ) .
( 17 ، 18 )
متصل بقوله : ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ ( البروج : 12 ) فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم للاستدلال على كون بطشه تعالى شديدا ببطشينن بطشهما بفرعون وثمود بعد أن علل ذلك بقوله : ﴿ إنه هو يبدىء ويعيد ﴾ ( البروج : 13 ) فذلك تعليل ، وهذا تمثيل ودليل .
والاستفهام مستعمل في إرادة لتهويل حديث الجنود بأنه يسأل عن علمه ، وفيه تعريض للمشركين بأنهم قد يحل بهم ما حل بأولئك : ﴿ وأنه أهلك عادا الأولى وثمودا فما أبقى ﴾ إلى قوله : ﴿ فبأي ءآلاء ربك تتمارى ﴾ ( النجم : 50 55 ) .
والخطاب لغير معين ممن يراد موعظته من المشركين كناية عن التذكير بخبرهم لأن حال المتلبسين بمثل صنيعهم الراكبين رؤوسهم في العناد ، كحال من لا يعلم خبرهم فيسأل هل بلغه خبرهم أو لا ، أو خطابا لغير معين تعجيبا من حال المشركين في إعراضهم عن الاتعاظ بذلك فيكون الاستفهام مستعملا في التعجيب .
والإتيان : مستعار لبلوغ الخبر ، والحديث : الخبر . وتقدم في سورة النازعات .
و ﴿ الجنود ﴾ : جمع جند وهو العسكر المتجمع للقتال . وأطلق على الأمم التي
تجمعت لمقاومة الرسل كقوله تعالى : ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ ( ص : 11 ) واستعير الجند للملأ لقوله : ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ ( ص : 6 ) ثم رشحت الاستعارة باستعارة مهزوم وهو المغلوب في الحرب فاستعير للمهلك المستأصل من دون حرب .
وأبدل فرعون وثمود من الجنود بدلا مطابقا لأنه أريد العبرة بهؤلاء .
و ﴿ فرعون ﴾ : اسم لملك مصر من القبط وقد تقدم عند قوله تعالى : { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه في سورة الأعراف .