تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن الزج بهم في عذاب جهنم قبل أن يذوقوا حريقها لما فيه من الخزي والدفع بهم في طريقهم قال تعالى : ﴿ يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ﴾ ( الطور : 13 ) فحصل بذلك اختلاف ما بين الجملتين .

ويجوز أن يراد بالثاني مضاعفة العذاب لهم كقوله تعالى : ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب ﴾ ( النحل : 88 ) .

ويجوز أن يراد بعذاب الحريق حريق بغير جهنم وهو ما يضرم عليهم من نار تعذيب قبل يوم الحساب كما جاء في الحديث : ( القبر حفرة من حفر جهنم أو روضة من رياض الجنة ) رواه البيهقي في ( سننه ) عن ابن عمر .

يجوز أن يكون استئنافا بيانيا ناشئا عن قوله : ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ المقتضي أنهم إن تابوا لم يكن لهم عذاب جهنم فيتشوف السامع إلى معرفة حالهم أمقصورة على السلامة من عذاب جهنم أو هي فوق ذلك ، فأخبر بأن لهم جنات فإن التوبة الإيمان ، فلذلك جيء بصلة ﴿ آمنوا ﴾ دون : تابوا : ليدل على أن الإيمان والعمل الصالح هو التوبة من الشرك الباعث على فتن المؤمنين ، وهذا الاستئناف وقع معترضا .

ويجوز أن يكون اعتراضا بين جملة ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين ﴾ ( البروج : 10 ) وجملة : ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ ( البروج : 12 ) اعتراضا بالبشارة في خلال الإنذار لترغيب المنذرين في الإيمان ، ولتثبيت المؤمنين على ما يلاقونه من أذى المشركين على عادة القرآن في إرداف الإرهاب بالترغيب .

والتأكيد ب ﴿ إن ﴾ للاهتمام بالخبر .

والإشارة في ﴿ ذلك ﴾ إلى المذكور من اختصاصهم بالجنات والأنهار .

و ﴿ الكبير ﴾ : مستعار للشديد في بابه ، والفوز : مصدر .

جملة : ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ علة لمضمون قوله : ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين إلى قوله : ولهم عذاب الحريق ﴾ ( البروج : 10 ) ، أي لأن بطش الله شديد على الذين فتنوا الذين آمنوا به . فموقع ﴿ إن ﴾ في التعليل يغني عن فاء التسبب .

وبطش الله يشمل تعذيبه إياهم في جهنم ويشمل ما قبله مما يقع في الآخرة وما يقع في الدنيا قال تعالى : ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ ( الدخان : 16 ) ووجه الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن بطش الله بالذين فتنوا المؤمنين فيه نصر للنبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيت له .

تصلح لأن تكون استئنافا ابتدائيا انتقل به من وعيدهم بعذاب الآخرة إلى توعدهم بعذاب في الدنيا يكون من بطش الله ، أردف به وعيد عذاب الآخرة لأنه أوقع في قلوب المشركين إذ هم يحسبون أنهم في أمن من العقاب إذ هم لا يصدقون بالبعث فحسبوا أنهم فازوا بطيب الحياة الدنيا .

والمعنى : أن الله يبطش بهم في البدء والعود ، أي في الدنيا والآخرة .

وتصلح لأن تكون تعليلا لجملة : ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ ( البروج : 12 ) لأن الذي يبدىء ويعيد قادر على إيقاع البطش الشديد في الدنيا وهو الإبداء ، وفي الآخرة وهو إعادة البطش .

وتصلح لأن تكون إدماجا للاستدلال على إمكان البعث أي أن الله يبدىء الخلق ثم يعيده فيكون كقوله تعالى : ﴿ وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ ( الروم : 27 ) .

والبطش : الأخذ بعنف وشدة ويستعار للعقاب المؤلم الشديد كما هنا .

و ﴿ يبدىء ﴾ : مرادف يبدأ ، يقال : بدأ وأبدأ . فليست همزة أبدأ للتعدية .

وحذف مفعولا الفعلين لقصد عموم تعلق الفعلين بكل ما يقع ابتداء ، ويعاد بعد ذلك فشمل بدأ الخلق وإعادته وهو البعث ، وشمل البطش الأول في الدنيا والبطش في الآخرة ، وشمل إيجاد الأجيال وأخلافها بعد هلاك أوائلها . وفي هذه الاعتبارات من التهديد للمشركين محامل كثيرة .

وضمير الفصل في قوله : ﴿ هو يبدىء ﴾ للتقوي ، أي لتحقيق الخبر ولا موقع للقصر هنا . إذ ليس في المقام رد على من يدعي أن غير الله يبدىء ويعيد . وقد

تقدم عند قوله تعالى : { أولئك هم المفلحون في سورة البقرة أن ضمير الفصل يليه الفعل المضارع على قول المازني ، وهو التحقيق . ودليله قوله : ومكر أولئك هو يبور وقد تقدم في سورة فاطر .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٣٠