والكلام على حذف مضاف لأن فرعون ليس بجند ولكنه مضاف إليه الجند الذين كذبوا موسى عليه السلام وآذوه . فحذف المضاف لنكتة المزاوجة بين اسمين علمين مفردين في الإبدال من الجنود .
وضرب المثل بفرعون لأبي جهل وقد كان يلقب عند المسلمين بفرعون هذه الأمة ، وضرب المثل للمشركين بقوم فرعون لأنهم أكبر أمة تألبت على رسول من رسل الله بعثه الله لإعتاق بني إسرائيل من ذل العبودية لفرعون ، وناووه لأنه دعا إلى عبادة الرب الحق فغاظ ذلك فرعون الزاعم أنه إلاه القبط وابن آلهتهم .
وتخصيص ثمود بالذكر من بقية الأمم التي كذبت الرسل من العرب مثل عاد وقوم تبع ، ومن غيرهم مثل قوم نوح وقوم شعيب . لما اقتضته الفاصلة السابعة الجارية على حرف الدال من قوله : إن بطش ربك لشديد } ( البروج : 12 ) فإن ذلك لما استقامت به الفاصلة ولم يكن في ذكره تكلف كان من محاسن نظم الكلام إيثاره .
وتقدم ذكر ثمود عند قوله تعالى : { وإلى ثمود أخاهم صالحا في سورة الأعراف . وهو اسم عربي ولكن يطلق على القبيلة التي ينتهي نسبها إليه فيمنع من الصرف بتأويل القبيلة كما هنا .
( 19 ، 20 ) }
إضراب انتقالي إلى إعراضهم عن الاعتبار بحال الأمم الذين كذبوا الرسل وهو أنهم مستمرون على التكذيب منغمسون فيه انغماس المظروف في الظرف فجعل تمكن التكذيب من نفوسهم كتمكن الظرف بالمظروف .
وفيه إشارة إلى أن إحاطة التكذيب بهم إحاطة الظرف بالمظروف لا يترك لتذكر ما حل بأمثالهم من الأمم مسلكا لعقولهم ولهذا لم يقل بل الذين كفروا يكذبون كما قال في سورة الانشقاق .
وحذف متعلق التكذيب لظهوره من المقام إذ التقدير : أنهم في تكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالوحي المنزل إليه وبالبعث .
وجملة : ﴿ والله من ورائهم محيط ﴾ عطف على جملة : ﴿ الذين كفروا في تكذيب ﴾ ، أي هم متمكنون من التكذيب والله يسلط عليهم عقابا لا يفلتون منه . فقوله : ﴿ والله من ورائهم محيط ﴾ تمثيل لحال انتظار العذاب إياهم وهم في غفلة عنه بحال من أحاط به العدو من ورائه وهو لا يعلم حتى إذا رام الفرار والإفلات وجد العدو محيطا به ، وليس المراد هنا إحاطة علمه تعالى بتكذيبهم إذ ليس له كبير جدوى .
وقد قوبل جزاء إحاطة التكذيب بهم بإحاطة العذاب بهم جزاء وفاقا فقوله : ﴿ والله من ورائهم محيط ﴾ خبر مستعمل في الوعيد والتهديد .
( 21 ، 22 )
إضراب إبطالل لتكذيبهم لأن القرآن جاءهم بدلائل بينة فاستمرارهم على التكذيب ناشىء عن سوء اعتقادهم صدق القرآن إذ وصفوه بصفات النقص من قولهم : أساطير الأولين ، إفك مفترى ، قول كاهن ، قول شاعر ، فكان التنويه به جامعا لإبطال جميع ترهاتهم على طريقة الإيجاز .
و ﴿ قرآن ﴾ : مصدر قرأ على وزن فعلان الدال على كثرة المعنى مثل الشكران والقربان . وهو من القراءة وهي تلاوة كلام صدر في زمن سابق لوقت تلاوة تاليه بمثل ما تكلم به متكلمه سواء كان مكتوبا في صحيفة أم كان ملقنا لتاليه بحيث لا يخالف أصله ولو كان أصله كلام تاليه ولذلك لا يقال لنقل كلام أنه قراءة إلا إذا كان كلاما مكتوبا أو محفوظا .
وكلما جاء ﴿ قرآن ﴾ منكرا فهو مصدر وأما اسم كتاب الإسلام فهو بالتعريف باللام لأنه علم بالغلبة .
فالإخبار عن الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم باسم قرآن إشارة عرفية إلى أنه موحى به تعريض بإبطال ما اختلقه المكذبون : أنه أساطير الأولين أو قول كاهن أو نحو ذلك .
ووصف ﴿ قرآن ﴾ صفة أخرى بأنه مودع في لوح .
واللوح : قطعة من خشب مستوية تتخذ ليكتب فيها .
وسوق وصف ﴿ في لوح ﴾ مساق التنويه بالقرآن وباللوح ، يعين أن اللوح كائن قدسي من كائنات العالم العلوي المغيبات ، وليس في الآية أكثر من أن اللوح أودع فيه القرآن ، فجعل الله القرآن مكتوبا في لوح علوي كما جعل التوراة مكتوبة في ألواح وأعطاها موسى عليه السلام فقال : ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ ( الأعراف : 145 ) وقال : ﴿ وألقى الألواح ﴾ ( الأعراف : 150 ) وقال : ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح ﴾ ( الأعراف : 154 ) ، وأما لوح القرآن فجعله محفوظا في العالم العلوي .