تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإجراء الصفات الثلاث على اسم الجلالة وهي : ﴿ العزيز . الحميد . الذي له ملك السماوات والأرض ﴾ لزيادة تقرير أن ما نقموه منهم ليس من شأنه أن ينقم بل هو حقيق بأن يمدحوا به لأنهم آمنوا برب حقيق بأن يؤمن به لأجل صفاته التي تقتضي عبادته ونبذ ما عداه لأنه ينصر مواليه ويثيبهم ولأنه يملكهم ، وما عداه ضعيف العزة لا يضر ولا ينفع ولا يملك منهم شيئا فيقوى التعجيب منهم بهذا .

وجملة : ﴿ والله على كل شيء شهيد ﴾ تذييل بوعيد للذين اتخذوا الأخدود وبوعد الذين عذبوا في جنب الله ، ووعيد لأمثال أولئك من كفار قريش وغيرهم من كل من تصدوا لأذى المؤمنين ووعد المسلمين الذين عذبهم المشركون مثل بلالل وعمار وصهيب وسمية .

إن كان هذا جوابا للقسم على قول بعض المفسرين كما تقدم كان ما بين القسم وما بين هذا كلاما معترضا يقصد منه التوطئة لوعيدهم بالعذاب والهلاك بذكر ما توعد به نظيرهم ، وإن كان الجواب في قوله : ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ ( البروج : 4 ) كان قوله : ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين ﴾ بمنزلة الفذلكة لما أقسم عليه إذ المقصود بالقسم وما أقسم عليه هو تهديد الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات من مشركي قريش .

وتأكيد الخبر ب ﴿ إن ﴾ للرد على المشركين الذين ينكرون أن تكون عليهم تبعة من فتن المؤمنين .

والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : هم مشركو قريش وليس المراد أصحاب الأخدود لأنه لا يلاقي قوله : ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ إذ هو تعريض بالترغيب في التوبة ، ولا يلاقي دخول الفاء في خبر ﴿ إن ﴾ من قوله : ﴿ فلهم عذاب جهنم ﴾ كما سيأتي .

وقد عد من الذين فتنوا المؤمنين أبو جهل رأس الفتنة ومسعرها ، وأمية بن خلف وصفوان بن أمية ، والأسود بن عبد يغوث ، والوليد بن المغيرة ، وأم أنمار ، ورجل من بني تيم .

والمفتونون : عد منهم بلال بن رباح كان عبدا لأمية بن خلف فكان يعذبه ، وأبو فكيهة كان عبدا لصفوان بن أمية ، وخباب بن الأرت كان عبدا لأم أنمار ، وعمار بن ياسر ، وأبوه ياسر ، وأخوه عبد الله كانوا عبيدا لأبي حذيفة بن المغيرة فوكل بهم أبا جهل ، وعامر بن فهيرة كان عبدا لرجل من بني تيم .

والمؤمنات المفتونات منهن : حمامة أم بلال أمة أمية بن خلف . وزنيرة ، وأم عنيس كانت أمة للأسود بن عبد يغوث والنهدية . وابنتها كانتا للوليد بن المغيرة ، ولطيفة ، ولبينة بنت فهيرة كانت لعمر بن الخطاب قبل أن يسلم كان عمر يضربها ، وسمية أم عمار بن ياسر كانت لعم أبي جهل .

وفتن ورجع إلى الشرك الحارث بن ربيعة بن الأسود ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاصي بن المنبه بن الحجاج .

وعطف ﴿ المؤمنات ﴾ للتنويه بشأنهن لئلا يظن أن هذه المزية خاصة بالرجال ، ولزيادة تفظيع فعل الفاتنين بأنهم اعتدوا على النساء والشأن أن لا يتعرض لهن بالغلظة .

وجملة : ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ معترضة . و ﴿ ثم ﴾ فيها للتراخي الرتبي لأن الاستمرار على الكفر أعظم من فتنة المؤمنين .

وفيه تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلموا من عذاب جهنم .

والفتن : المعاملة بالشدة والإيقاع في العناء الذي لا يجد منه مخلصا إلا بعناء أو ضر أخف أو حيلة ، وتقدم عند قوله تعالى : { والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة .

ودخول الفاء في خبر ( إن ) من قوله : فلهم عذاب جهنم } لأن اسم ( إن ) وقع موصولا والموصول يضمن معنى الشرط في الاستعمال كثيرا : فتقدير : إن الذين فتنوا المؤمنين ثم إن لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ، لأن عطف قوله : ﴿ ثم لم يتوبوا ﴾ مقصود به معنى التقييد فهو كالشرط .

وجملة : ﴿ ولهم عذاب الحريق ﴾ عطف في معنى التوكيد اللفظي لجملة : ﴿ لهم عذاب جهنم ﴾ . واقترانها بواو العطف للمبالغة في التأكيد بإيهام أن من يريد زيادة تهديدهم بوعيد آخر فلا يوجد أعظم من الوعيد الأول . مع ما بين عذاب جهنم وعذاب الحريق من اختلاف في المدلول وإن كان مآل المدلولين واحدا . وهذا ضرب من المغايرة يحسن عطف التأكيد .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٢٩