أنتجه ذكاء أهل العقول من أنظارهم المتفرعة على أصول الهدى الأول . وقد مهد قدماء الحكماء طرائق من الحكمة فنبعت ينابيع الحكمة في عصور متقاربة كانت فيها مخلوطة بالأوهام والتخيلات والضلالات . بين الكلدانيين والمصريين والهنود والصين ، ثم درسها حكماء اليونان فهذبوا وأبدعوا ، وميزوا علم الحكمة عن غيره ، وتوخوا الحق ما استطاعوا فأزالوا أوهاما عظيمة وأبقوا كثيرا . وانحصرت هذه العلوم في طريقتي سقراط وهي نفسية ، وفيثاغورس وهي رياضية عقلية . والأولى يونانية والثانية لإيطاليا اليونانية . وعنهما أخذ أفلاطون ، واشتهر أصحابه بالإشراقيين ، ثم أخذ عنه أفضل تلامذته وهو أرسططاليس وهذب طريقته ووسع العلوم ، وسميت أتباعه بالمشائين ، ولم تزل الحكمة من وقت ظهوره معولة على أصوله إلى يومنا هذا .
﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ﴾ وهو الذي شاء الله إيتاءه الحكمة . والخير الكثير منجر إليه من سداد الرأي والهدي الإلهي ، ومن تفاريع قواعد الحكمة التي تعصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار التوغل في فهمها واستحضار مهمها ؛ لأننا إذا تتبعنا ما يحل بالناس من المصائب نجد معظمها من جراء الجهالة والضلالة وأفن الرأي . وبعكس ذلك نجد ما يجتنيه الناس من المنافع والملائمات منجرا من المعارف والعلم بالحقائق ، ولو أننا علمنا الحقائق كلها لاجتنبنا كل ما نراه موقعا في البؤس والشقاء .
وقرأ الجمهور ﴿ ومن يؤت ﴾ بفتح المثناة الفوقية بصيغة المبني للنائب ، على أن ضمير يؤت نائب فاعل عائد على من الموصولة وهو رابط الصلة بالموصول . وقرأ يعقوب ومن يؤتت الحكمة بكسر المثناة الفوقية بصيغة البناء للفاعل . فيكون الضمير الذي في فعل يؤت عائدا إلى الله تعالى ، وحينئذ فالعائد ضمير نصب محذوف والتقدير : ومن يؤته الله .
وقوله : ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ تذييل للتنبيه على أن من شاء الله إيتاء الحكمة هو ذو اللب . وأن تذكر الحكمة واستصحاب إرشادها بمقدار استحضار اللب وقوته واللب في الأصل خلاصة الشيء وقلبه ، وأطلق هنا على عقل الإنسان لأنه أنفع شيء فيه .