والمهم من الحكمة في نظر الدين أربعة فصول :
أحدها معرفة الله حق معرفته وهو علم الإعتقاد الحق ، ويسمى عند اليونان العلم الإلهي أو ما وراء الطبيعة .
الثاني ما يصدر عن العلم به كمال نفسية الإنسان ، وهو علم الأخلاق .
الثالث تهذيب العائلة ، وهو المسمى عند اليونان علم تدبير المنزل .
الرابع تقويم الأمة وإصلاح شؤونها وهو المسمى علم السياسة المدنية ، وهو مندرج في أحكام الإمامة والأحكام السلطانية . ودعوة الإسلام في أصوله وفروعه لا تخلو عن شعبة من شعب هذه الحكمة .
وقد ذكر الله الحكمة في مواضع كثيرة من كتابه مرادا بها ما فيه صلاح النفوس ، من النبوءة والهدى والإرشاد . وقد كانت الحكمة تطلق عند العرب على الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس ووصاية بالخير ، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة ، وكليات جامعة لجماع الآداب . . وذكر الله تعالى في كتابه حكمة لقمان ووصاياه في قوله تعالى : ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة ﴾ ( لقمان : 12 ) الآيات . وقد كانت لشعراء العرب عناية بإبداع الحكمة في شعرهم وهي إرسال الأمثال ، كما فعل زهير في الأبيات التي أولها ( رأيت المنايا خبط عشواء ) والتي افتتحها بمن ومن في معلقته . وقد كانت بيد بعض الأحبار صحائف فيها آداب ومواعظ مثل شيء من جامعة سليمان عليه السلام وأمثاله ، فكان العرب ينقلون منها أقوالا . وفي ( صحيح البخاري ) في باب الحياء من كتاب الأدب أن عمران بن حصين قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخياء لا يأتي إلا بخير ، فقال بشير بن كعب العدوي : مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقارا وإن من الحياء سكينة ، فقال له عمران : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحيفتك ) .
والحكيم هو النابغ في هاته العلوم أو بعضها فبحكمته يعتصم من الوقوع في الغلط والضلال بمقدار مبلغ حكمته ، وفي الغرض الذي تتعلق به حكمته .
وعلوم الحكمة هي مجموع ما أرشد إليه هدي الهداة من أهل الوحي الإلهي الذي هو أصل إصلاح عقول البشر ، فكان مبدأ ظهور الحكمة في الأديان ، ثم ألحق بها ما