مني وأنا منك ) في معنى شدة الاتصال حتى كأن أحدهما جزء من الآخر ، أو مبتدأ منه ، ويقولون في الانفصال والقطيعة : لست مني ولست منك ؛ قال النابغة :
فإني لست منك ولست مني
فقوله : ﴿ في شيء ﴾ تصريح بعموم النفي في جميع الأحوال لرفع احتمال تأويل نفي الاتصال بأغلب الأحوال فالمعنى أن فاعل ذلك مقطوع عن الانتماء إلى الله ، وهذا ينادي على أن المنهي عنه هنا ضرب من ضروب الكفر ، وهو الحال التي كان عليها المنافقون ، وكانوا يظنون ترويجها على المؤمنين ، ففضحهم الله تعالى ، ولذلك قيل : إن هذه الآية نزلت في المنافقين ، ومما يدل على ذلك أنها نظير الآية الأخرى : ﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ( النساء : 144 ، 145 ) .
وقيل : لا مفهوم لقوله : ﴿ من دون المؤمنين ﴾ لأن آيات كثيرة دلت على النهي عن ولاية الكافرين مطلقا : كقوله : ﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴾ ( المائدة : 51 ) وقوله ﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزؤا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ﴾ ( المائدة : 57 ) وإلى هذا الوجه مال الفخر .
واسم الإشارة في قوله : ﴿ ذلك ﴾ بمعنى ذلك المذكور ، وهو مضمون قوله : ﴿ أولياء من دون المؤمنين ﴾ .
والآية نهي عن موالاة الكافرين دون المؤمنين باعتبار القيد أو مطلقا ، والموالاة تكون بالظاهر والباطن وبالظاهر فقط ، وتعتورها أحوال تتبعها أحكام ، وقد استخلصت من ذلك ثمانية أحوال .
الحالة الأولى : أن يتخذ المسلم جماعة الكفر ، أو طائفته ، أولياء له في باطن أمره ، ميلا إلى كفرهم ، ونواء لأهل الإسلام ، وهذه الحالة كفر ، وهي حال المنافقين ، وفي حديث عتبان بن مالك : أن قائلا قال في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أين مالك بن الدخشن ) ، فقال آخر : ( ذلك منافق لا يحب الله ورسوله ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تقل ذلك أما سمعته يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) فقال القائل :