تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشاع في اصطلاح القرآن إطلاق وصف الكفر على الشرك ، والكافرين والذين كفروا على المشركين ، ولعل تعليق النهي عن الاتخاذ بالكافرين بهذا المعنى هنا لأن المشركين هم الذين كان بينهم وبين المهاجرين صلات ، وأنساب ، ومودات ، ومخالطات مالية ، فكانوا بمظنة الموالاة مع بعضهم . وقد علم كل سامع أن من يشابه المشركين في موقفه تجاه الإسلام يكون تولي المؤمنين إياه كتوليهم المشركين . وقد يكون المراد بالكافرين جميع المخالفين في الدين : مثل المراد من قوله : ﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ ( آل عمران : 19 ) ، فلذلك كله قيل : إن الآية نزلت في ( حاطب بن أبي بلتعه ) وكان كان من أفاضل المهاجرين وخلص المؤمنين ، إلا أنه تأول فكتب كتابا إلى قريش يعلمهم بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة ، وقيل : نزلت في أسماء ابنة أبي بكر لما استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بر والدتها وصلتها ، أي قبل أن تجيء أمها إلى المدينة راغبة ؛ فإنه ثبت في ( الصحيح ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : صلي أمكك . وقيل : نزلت في فريق من الأنصار كانوا متولين لكعب بن الأشرف ، وأبي رافع ابن أبي الحقيق ، وهما يهوديان بيثرب . وقيل : نزلت في المنافقين وهم ممن يتولى اليهود ؛ إذ هم كفار جهتهم ، وقيل : نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلف مع اليهود ، فلما كان يوم الأحزاب ، قال عبادة للنبيء صلى الله عليه وسلم إن معي خمسمائة رجل من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو . وقيل : نزلت في عمار بن ياسر لما أخذه المشركون فعذبوه عذابا شديدا ، فقال ما أرادوه منه ، فكفوا عنه ، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ( كيف تجد قلبك ) قال : ( مطمئنا بالإيمان ) فقال : فإن عادوا فعد .

وقوله : ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ( من ) لتأكيد الظرفية .

والمعنى : مباعدين المؤمنين أي في الولاية ، وهو تقييد للنهي بحسب الظاهر ، فيكون المنهي عنه اتخاذ الكافرين أولياء دون المؤمنين ، أي ولاية المؤمن الكفار التي تنافي ولايته المؤمنين ، وذلك عندما يكون في تولي الكافرين إضرار بالمؤمنين ، وأصل القيود أن تكون للاحتراز ، ويدل لذلك قوله بعده : ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) لأنه نفي لوصلة من يفعل ذلك بجانب الله تعالى في جميع الأحوال ، والعرب تقول : ( أنت

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٢١٦