تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فانعدم اكتراثهم باتباع الحق ؛ لأن اعتقادهم النجاة من عذاب الله على كل حالل جرأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض . وهذا الإعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضا بسفالة همتهم الدينية ، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس . وعبر عن الإعتقاد بالقول دلالة على أن هذا الإعتقاد لا دليل عليه وأنه قول مفتري مدلس ، وهذه العقيدة عقيدة اليهود ، كما تقدم في البقرة .

وقوله : ﴿ وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ أي ما تقولوه على الدين وأدخلوه فيه ، فلذلك أتي بفي الدالة على الظرفية المجازية . ومن جملة ما كانوا يفترونه قولهم : ﴿ لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ﴾ ( البقرة : 80 ) ، وكانوا أيضا يزعمون أن الله وعد يعقوب ألا يعذب أبناءه .

وقد أخبر الله تعالى عن مفاسد هذا الغرور والافتراء بإيقاعها في الضلال الدائم ، لأن المخالفة إذا لم تكن عن غرور فالإقلاع عنها مرجو ، أما المغرور فلا يترقب منه إقلاع . وقد ابتلي المسلمون بغرور كثير في تفاريع دينهم وافتراءات من الموضوعات عادت على مقاصد الدين وقواعد الشريعة بالإبطال ، وتفصيل ذلك في غير هذا المجال .

وقوله : ﴿ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ تفريع عن قوله : ﴿ وغرهم في دينهم ﴾ أي إذا كان ذلك غرورا فكيف حالهم أو جزاؤهم إذا جمعناهم ووفيناهم جزاءهم والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والتفظيع مجازا .

( وكيف ) هنا خبر لمحذوف دل على نوعه السياق ، و ﴿ إذا ﴾ ظرف منتصب بالذي عمل في مظروفه : وهو ما في كيف من معنى الاستفهام التفظيعي كقولك : كيف أنت إذا لقيت العدو ، وسيجيء زيادة بيان لمثل هذا التركيب عند قوله تعالى : { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد في سورة النساء ( 41 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٢١١