الأسلوب . والمعنى : يدعون إلى اتباع القرآن والنظر في معانيه ليحكم بينهم فيأبون . ويجوز أن يكون كتاب الله عين المراد من الكتاب ، وإنما غير اللفظ تفننا وتنويها بالمدعو إليه ، أي يدعون إلى كتابهم ليتأملوا منه ، فيعلموا تبشيره برسول يأتي من بعد ، وتلميحه إلى صفاته .
روي ، في سبب نزول هذه الآية : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدراس اليهود فدعاهم إلى الإسلام ، فقال له نعيم بن عمرو ، والحارث بن زيد : على أي دين أنت قال : على ملة إبراهيم قالا : فإن إبراهيم كان يهوديا . فقال لهما : إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها ، فأبيا ،
وقوله : ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ ( ثم ) عاطفة جملة ﴿ يتولى فريق منهم ﴾ على جملة ﴿ يدعون ﴾ فالمعطوفة هنا في حكم المفرد فدلت ( ثم ) على أن توليهم مستمر في أزمان كثيرة تبعد عن زمان الدعوة ، أي أنهم لا يرعوون فهم يتولون ثم يتولون ؛ لأن المرء قد يعرض غضبا ، أو لعظم المفاجأة بالأمر غير المترقب ، ثم يثوب إليه رشده ، ويراجع نفسه ، فيرجع ، وقد علم أن توليهم إثر الدعوة دون تراخخ حاصل بفحوى الخطاب .
فدخول ﴿ ثم ﴾ للدلالة على التراخي الرتبي ؛ لأنهم قد يتولون إثر الدعوة ، ولكن أريد التعجيب من حالهم كيف يتولون بعد أن أوتوا الكتاب ونقلوه ، فإذا دعوا إلى كتابهم تولوا . والإتيان بالمضارع في قوله : ﴿ يتولون ﴾ للدلالة على التجدد كقول جعفر ابن علبة الحارثي :
ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة
يرى غمراتت الموتت ثم يزورها
والتولي مجاز عن النفور والإباء ، وأصله الإعراض والانصراف عن المكان .
وجملة ﴿ وهم معرضون ﴾ حال مؤكدة لجملة ﴿ يتولى فريق ﴾ إذ التولي هو الإعراض ، ولما كانت حالا لم تكن فيها دلالة على الدوام والثبات فكانت دالة على تجدد الإعراض ، منهم المفاد أيضا من المضارع في قوله : ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ .
وقوله : ﴿ ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار ﴾ الإشارة إلى توليهم وإعراضهم ، والباء للسببية : أي إنهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنهم في أمان من العذاب إلا أياما قليلة ،