تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقوله : ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ صيغة حصر ، وهي تقتضي في اللسان حصر المسند إليه ، وهو الدين ، في المسند ، وهو الإسلام ، على قاعدة الحصر بتعريف جزئي الجملة ، أي لا دين إلا الإسلام ، وقد أكد هذا الانحصار بحرف التوكيد .

وقوله : ﴿ عند الإسلام ﴾ وصف للدين ، والعندية عندية الاعتبار والاعتناء وليست عندية علم : فأفاد ، أن الدين الصحيح هو الإسلام ، فيكون قصرا للمسند ، إليه باعتبار قيد فيه ، لا في جميع اعتباراته : نظير قول الخنساء :

إذا قبح البكاء على قتيل

رأيت بكاءك الحسن الجميلا

فحصرت الحسن في بكائه بقاعدة أن المقصور هو الحسن لأنه هو المعرف باللام ، وهذا الحصر باعتبار التقييد بوقتت حج البكاء على القتلى وهو قصر حسن بكائها على ذلك الوقت ، ليكون لبكائها على صخر مزية زائدة على بكاء القتلى المتعارف وإن أبى اعتبار القصر في البيت أصلا صاحب المطول .

وإذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول : إما باعتبار أن الدين الصحيح عند الله ، حين الإخبار ، وهو الإسلام ، لأن الخبر ينظر فيه إلى وقت الإخبار ؛ إذ الأخبار كلها حقائق في الحال ، ولا شك أن وقت الإخبار ليس فيه دين صحيح غير الإسلام ؛ إذ قد عرض لبقية الأديان الإلاهية ، من خلط الفاسد بالصحيح ، ما أختل لأجله مجموع الدين ، وإما باعتبار الكمال عند الله فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور ؛ إذ لا أكمل من هذا الدين ، وما تقدمه من الأديان لم يكن بالغا غاية المراد من البشر في صلاح شؤونهم ، بل كان كل دين مضى مقتصرا على مقدار الحاجة من أمة معينة في زمن معين ، وهذا المعنى أولي محملي الآية ، لأن مفاده أعم ، وتعبيره عن حاصل صفة دين الإسلام تجاه بقية الأديان الإلهية أتم .

ذلك أن مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل ، ليس مجرد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوق لدقائق تراكيبه ، بل مراد الله تعالى مما شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه ، ولما كان المراد من ذلك هو العمل ، جعل الله الشرائع مناسبة لقابليات المخاطبين بها ، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم ، ليتمكنوا من العمل بها بدوامم وانتظام ، فلذلك كان المقصود من التدين أن يكون ذلك التعليم الديني

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ١٩٠