دأبا وعادة لمنتحليه ، وحيث النفوس لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتفق مع مدركاتها ، لا جرم تعين مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان . ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة .
وقد كانت أحوال الجماعات البشرية ، في أول عهود الحضارة ، حالاتت عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة ، ائتلفت رويدا رويدا على حسب دواعي الحاجات ، وما تلك الدواعي ، التي تسببت في ائتلاف تلك العوائد ، إلا دواع غير منتشرة ؛ لأنها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته ، ودفع الآلام عنه ، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتصال به ، وتحسينن حاله ، فبذلك ائتلف نظام الفرد ، ثم نظام العائلة ، ثم نظام العشيرة ، وهاته النظم المتقابسة هي نظم متساوية الأشكال ؛ إذ كلها لا يعدو حفظ الحياة ، بالغذاء والدفاعع عن النفس ، ودفع الآلام بالكساء والمسكن والزواج ، والانتصار للعائلة وللقبيلة ؛ لأن بها الاعتزاز ، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك ، بإعداد المعدات : وهو التعاوض والتعامل ، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة ، وبذلك لم يكن لإحدى الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى ، فضلا عن التفكير في اقتباس إحداها مما يجري لدى غيرها ، وتلك حالة قناعة العيش ، وقصور الهمة ، وانعدام الدواعي فإذا حصلت الأسباب الآنفة عد الناس أنفسهم في منتهى السعادة .
وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصل ، وما يعرض في ذلك من الأخطار والمتاعب ، حائلا عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض وشعور بعضها بأخلاق بعض ، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية مجموع حائلين : عدم الداعي ، وانسداد وسائل الصدفة ، اللهم إلا ما يعرض من وفادة وافد ، أو اختلاط في نجعة أو موسم ، على أن ذلك إن حصل فسرعان ما يطرأ عليه النسيان ، فيصبح في خبر كان .
فكيف يرجى من أقوام ، هذه حالهم ، أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من دوائر مدركاتهم ، ومتقارب تصور عقولهم ، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا له جلد النمر ، فأحس من سوء الطاعة حرق الجمر ، لذلك لم تتعلق حكمة الله تعالى ،