تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو آجلا ، فما من أهل دين إلا وهم يترقبون جزاء من رب ذلك الدين ، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ورضاهم عنهم ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وقال أبو سفيان يوم أحد : أعل هبل . وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله : ( لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عني شيئا ) . وأهل الأديان الإلهية يترقبون الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة ، فأول دين إلهي كان حقا وبه كان اهتداء الإنسان ، ثم طرأت الأديان المكذوبة ، وتشبهت بالأديان الصحيحة ، قال الله تعالى تعليما لرسوله ﴿ لكم دينكم ولي ديني ﴾ ( الكافرون : 6 ) وقال : ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ﴾ ( يوسف : 76 ) .

وقد عرف العلماء الدين الصحيح بأنه ( وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير باطنا وظاهرا ) .

والإسلام علم بالغلبة على مجموع الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما أطلق على ذلك الإيمان أيضا ، ولذلك لقب أتباع هذا الدين بالمسلمين وبالمؤمنين ، وهو الإطلاق المراد هنا ، وهو تسمية بمصدر أسلم إذا أذعن ولم يعاند إذعانا عن اعتراف بحق لا عن عجز ، وهذا اللقب أولى بالإطلاق على هذا الدين من لقب الإيمان ؛ لأن الإسلام هو المظهر البين لمتابعة الرسول فيما جاء به من الحق ، واطراح كل حائل يحول دون ذلك ، بخلاف الإيمان فإنه اعتقاد قلبي ، ولذلك قال الله تعالى : ﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ ( الحج : 78 ) وقال : ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني ﴾ ( آل عمران : 20 ) ولأن الإسلام لا يكون إلا عن اعتقاد لأن الفعل أثر الإدراك ، بخلاف العكس فقد يكون الإعتقاد مع المكابرة .

وربما أطلق الإسلام على خصوص الأعمال ؛ والإيمان على الإعتقاد ، وهو إطلاق مناسب لحالتي التفكيك بين الأمرين في الواقع ، كما في قوله تعالى ، خطابا لقوم أسلموا مترددين ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ ( الحجرات : 14 ) ، أو التفكيك في تصوير الماهية عند التعليم لحقائق المعاني الشرعية أو اللغوية كما وقع في حديث جبريل : من ذكر معنى الإيمان ، والإسلام ، والإحسان .

والتعريف في الدين تعريف الجنس ؛ إذ لا يستقيم معنى العهد الخارجي هنا وتعريف الإسلام تعريف العلم بالغلبة : لأن الإسلام صار علما بالغلبة على الدين المحمدي .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ١٨٩