وبيان الشهوات بالنساء والبنين وما بعدهما ، بيان بأصول الشهوات البشرية : التي تجمع مشتهيات كثيرة ، والتي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور والأقطار ، فالميل إلى النساء مركوز في الطبع ، وضعه الله تعالى لحكمة بقاء النوع بداعي طلب التناسل ؛ إذ المرأة هي موضع التناسل ، فجعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلف ربما تعقبه سآمة ، وفي الحديث : ( ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من فتنة النساء ) ولم يذكر الرجال لأن ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع ، وإنما تحصل المحبة منهن للرجال بالإلف والإحسن .
ومحبة الأبناء أيضا في الطبع : إذ جعل الله في الوالدين ، من الرجال والنساء ، شعورا وجدانيا يشعر بأن الولد قطعة منهما ، ليكون ذلك مدعاة إلى المحافظة على الولد الذي هو الجيل المستقبل ، وببقائه بقاء النوع ، فهذا بقاء النوع بحفظه من الاضمحلال المكتوب عليه ، وفي الولد أيضا حفظ للنوع من الاضمحلال العارض بالاعتداء على الضعيف من النوع ؛ لأن الإنسان يعرض له الضعف ، بعد القوة ، فيكون ولده دافعا عنه عداء من يعتدي عليه ، فكما دفع الوالد عن ابنه في حال ضعفه ، يدفع الولد عن الوالد في حال ضعفه .
والذهب والفضة شهوتان بحسن منظرهما وما يتخذ منهما من حلي للرجال والنساء ، والنقدان منهما : الدنانير والدراهم ، شهوة لما أودع الله في النفوس منذ العصور المتوغلة في القدم من حب النقود التي بها دفع أعواض الأشياء المحتاج إليها .
﴿ والقناطير ﴾ جمع قنطار وهو ما يزن مائة رطل ، وأصله معرب قيل عن الرومية اللاتينية الشرقية ، كما نقله النقاش عن الكلبي ، وهو الصحيح ؛ فإن أصله في اللاتينية ( كينتال ) وهو مائة رطل . وقال ابن سيده : هو معرب عن السريانية . فما في ( الكشاف ) في سورة النساء أن القنطار مأخوذ من قتطرت الشيء إذا رفعته ، تكلف . وقد كان القنطار عند العرب ، وزنا ومقدارا ، من الثروة ، يبلغه بعض المثرين : وهو أن يبلغ ماله مائة رطل فضة ، ويقولون : قنطر الرجل إذا بلغ ماله قنطارا وهو اثنا عشر ألف دينار أي ما يساوي قنطارا من الفضة ، وقد يقال : هو مقدار مائة ألف دينار من الذهب .