تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محبوب الشهوات أي الشهوات المحبوبة . وإما أن يجعل زين كناية مرادا به لازم التزيين وهو إقبال النفس على ما في المزين من المستحسنات مع ستر ما فيه من الأضرار ، فعبر عن ذلك بالتزيين ، أي تحسين ما ليس بخالص الحسن فإن مشتهيات الناس تشتمل على أمور ملائمة مقبولة ، وقد تكون في كثير منها مضار ، أشدها أنها تشغل عن كمالات كثيرة فلذلك كانت كالشيء المزين تغطى نقائصه بالمزينات ، وبذلك لم يبق في تعليق زين بحب إشكال .

وحذف فاعل التزيين لخفائه عن إدراك عموم المخاطبين ، لأن ما يدل على الغرائز والسجايا ، لما جهل فاعله في متعارف العموم ، كان الشأن إسناد أفعاله للمجهول : كقولهم عني بكذا ، واضطر إلى كذا ، لا سيما إذا كان المراد الكناية عن لازم التزيين ، وهو الإغضاء عما في المزين من المساوي ؛ لأن الفاعل لم يبق مقصودا بحال ، والمزين في نفس الأمر هو إدراك الإنسان الذي أحب الشهواتت ، وذلك أمر جبلي جعله الله في نظام الخلقة قال تعالى : ﴿ وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ﴾ ( يس : 72 ) .

ولما رجع التزيين إلى انفعال في الجبلة ، كان فاعله على الحقيقة هو خالق هذه الجبلات ، فالمزين هو الله بخلقه لا بدعوته ، وروى مثل هذا عن عمر بن الخطاب ، وإذا التفتنا إلى الأسباب القريبة المباشرة . كان المزين هو ميل النفس إلى المشتهى ، أو ترغيب الداعين إلى تناول الشهوات : من الخلان والقرناء ، وعن الحسن : المزين هو الشيطان ، وكأنه ذهب إلى أن التزيين بمعنى التسويل والترغيب بالوسوسة للشهوات الذميمة والفساد ، وقصره على هذا وهو بعيد لأن تزيين هذه الشهوات في ذاته قد يوافق وجه الإباحة والطاعة ، فليس يلازمها تسويل الشيطان إلا إذا جعلها وسائل للحرام ، وفي الحديث : ( قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر فقال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) وسياق الآية تفضيل معالي الأمور وصالح الأعمال على المشتهيات المخلوطة أنواعها بحلال منها وحرام ، والمعرضة للزوال ، فإن الكمال بتزكية النفس لتبلغ الدرجات القدسية ، وتنال النعيم الأبدي العظيم ؛ كما أشار إليه قوله : ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب ﴾ .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ١٨٠