تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقدره الله تعالى عند إرادة الفعل مع سلامة الأسباب والآلات ) وما ألزمه إمام الحرمين الأشعري إلزام باطل ؛ لأن المراد بما لا يطاق ما لا تتعلق به قدرة العبد الظاهرة ، المعبر عنها بالكسب ، للفرق البين بين الأحوال الظاهرة ، وبين الحقائق المستورة في نفس الأمر ، وكذلك لا معنى لإدخال ما علم الله عدم وقوعه ، كأمر أبي جهل بالإيمان مع علم الله بأنه لا يؤمن ، في مسألة التكليف بما لا يطاق ، أو بالمحال ؛ لأن علم الله ذلك لم يطلع عليه أحد . وأورد عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا لهب إلى الإسلام وقد علم الله أنه لا يسلم لقوله تعالى : ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب إلى قوله سيصلى نارا ذات لهب ﴾ ( المسد : 1 ، 3 ) فقد يقال : إنه بعد نزول هذه الآية لم يخاطب بطلب الإيمان وإنما خوطب قبل ذلك ، وبذلك نسلم من أن نقول : إنه خارج عن الدعوة ، ومن أن نقول : إنه مخاطب بعد نزول الآية .

وهذه الآية تقتضي عدم وقوع التكليف بما لا يطاق في الشريعة ، بحسب المتعارف في إرادة البشر وقدرهم ، دون ما هو بحسب سر القدر ، والبحث عن حقيقة القدرة الحادثة ، نعم يؤخذ منها الرد على الجبرية .

وقوله : ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ حال من ( نفسا ) لبيان كيفية الوسع الذي كلفت به النفس : وهو أنه إن جاءت بخير كان نفعه لها وإن جاءت بشر كان ضره عليها . وهذا التقسيم حاصل من التعليق بواسطة ( اللام ) مرة وبواسطة ( على ) أخرى . وأما كسبت واكتسبت فبمعنى واحد في كلام العرب ؛ لأن المطاوعة في اكتسب ليست على بابها ، وإنما عبر هنا مرة بكسبت وأخرى باكتسبت تفننا وكراهية إعادة الكلمة بعينها ، كما فعل ذو الرمة في قوله :

ومطعمم الصيد هبال لبغيته

ألفى أباه بذاك الكسب مكتسبا

وقول النابغة :

فحملت برة واحتملت فجار

وابتدىء أولا بالمشهور الكثير ، ثم أعيد بمطاوعه ، وقد تكون ، في اختيار الفعل الذي أصله دال على المطاوعة ، إشارة إلى أن الشرور يأمر بها الشيطان ، فتأتمر

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ١٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ١٣٧