شهيرا ، دعا إليه التزام الفريقين للوازم أصولهم وقواعدهم فقالت الأشاعرة : يجوز على الله تكليف ما لا يطاق بناء على قاعدتهم في نفي وجوب الصلاح على الله ، وأن ما يصدر منه تعالى كله عدل لأنه مالك العباد ، وقاعدتهم في أنه تعالى يخلق ما يشاء ، وعلى قاعدتهم في أن ثمرة التكليف لا تختص بقصد الامتثال بل قد تكون لقصد التعجيز والابتلاء وجعل الامتثال علامة على السعادة ، وانتفائه علامة على الشقاوة ، وترتب الإثم لأن لله تعالى إثابة العاصي ، وتعذيب المطيع ، فبالأولى تعذيب من يأمره بفعل مستحيل ، أو متعذر ، واستدلوا على ذلك بحديث تكليف المصور بنفخ الروحح في الصورة وما هو بنافخ ، وتكليف الكاذب في الرؤيا بالعقد بين شعيرتين وما هو بفاعل . ولا دليل فيه لأن هذا في أمور الآخرة ، ولأنهما خبرا آحاد لا تثبت بمثلها أصول الدين . وقالت المعتزلة : يمتنع التكليف بما لا يطاق بناء على قاعدتهم في أنه يجب الله فعل الصلاح ونفي الظلم عنه ، وقاعدتهم في أنه تعالى لا يخلق المنكرات من الأفعال ، وقاعدتهم في أن ثمرة التكليف هو الامتثال وإلا لصار عبثا وهو مستحيل على الله ، وأن الله يستحيل عليه تعذيب المطيع وإثابة العاصي .
واستدلوا بهذه الآية ، وبالآيات الدالة على أصولها : مثل ﴿ ولا يظلم ربك أحدا ﴾ ( الكهف : 49 ) ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ ( الإسراء : 15 ) ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ ( الأعراف : 28 ) إلخ .
والتحقيق أن الذي جر إلى الخوض في المسألة هو المناظرة في خلق أفعال العباد ، ؛ فإن الأشعري لما نفى قدرة العبد ، وقال بالكسب ، وفسره بمقارنة قدرة العبد لحصول المقدور دون أن تكون قدرته مؤثرة فيه ، ألزمهم المعتزلة القول بأن الله كلف العباد بما ليس في مقدورهم ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، فالتزم الأشعري ذلك ، وخالف إمام الحرمين والغزالي الأشعري في جواز تكليف ما لا يطاق والآية لا تنهض حجة على كلا الفريقين في حكم إمكان ذلك .
ثم اختلف المجوزون : هل هو واقع ، وقد حكى القرطبي الإجماع على عدم الوقوع وهو الصواب في الحكاية ، وقال إمام الحرمين في ( البرهان ) : ( والتكاليف كلها عند الأشعري من التكليف بما لا يطاق ، لأن المأمورات كلها متعلقة بأفعال هي عند الأشعري غير مقدورة للمكلف ، فهو مأمور بالصلاة وهو لا يقدر عليها ، وإنما