تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النفس وتطاوعه وذلك تبغيض من الله للناس في الذنوب . واختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات ، إشارة إلى أن الله يسوق إليها الناس بالفطرة ، ووقع في ( الكشاف ) أن فعل المطاوعة لدلالته على الاعتمال ، وكان الشر مشتهى للنفس ، فهي تجد تحصيله ، فعبر عن فعلها ذلك بالاكتساب .

والمراد بما اكتسبت الشرور ، فمن أجل ذلك ظن بعض المفسرين أن الكسب هو اجتناء الخير ، والاكتساب هو اجتناء الشر ، وهو خلاف التحقيق ؛ ففي القرآن ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ( الأنعام : 164 ) ثم قيل للذين ظلموا ﴿ ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ ( يونس : 52 ) وقد قيل : إن اكتسب إذا اجتمع مع كسب خص بالعمل الذي فيه تكلف . لكن لم يرد التعبير باكتسبت في جانب فعل الخير .

وفي هذه الآية مأخذ حسن لأبي الحسن الأشعري في تسميته استطاعة العبد كسبا واكتسابا ؛ فإن الله وصف نفسه بالقدرة . ولم يصف العباد بالقدرة ، ولا أسند إليهم فعل قدر وإنما أسند إليهم الكسب ، وهو قول يجمع بين المتعارضات ويفي بتحقيق إضافة الأفعال إلى العباد ، مع الأدب في عدم إثبات صفة القدرة للعباد ، وقد قيل : إن أول من استعمل كلمة الكسب هو الحسين بن محمد النجار ، رأس الفرقة النجارية من الجبرية ، كان معاصرا للنظام في القرن الثالث ، ولكن اشتهر بها أبو الحسن الأشعري حتى قال الطلبة في وصف الأمر الخفي : ( أدق من كسب الأشعري ) .

وتعريف الكسب ، عند الأشعري : هو حالة للعبد يقارنها خلق الله فعلا متعلقا بها . وعرفه الإمام الرازي بأنه صفة تحصل بقدرة العبد لفعله الحاصل بقدرة الله . وللكسب تعاريف أخر .

وحاصل معنى الكسب ، وما دعا إلى إثباته : هو أنه لما تقرر أن الله قادر على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد ، وجب أن يقرر عموم قدرته على كل شيء لئلا تكون قدرة الله غير متسلطة على بعض الكائنات ، إعمالا للأدلة الدالة على أن الله على كل شيء قدير ، وأنه خالق كل شيء ، وليس لعموم هذه الأدلة دليل يخصصه ، فوجب إعمال هذا العموم . ثم إنه لما لم يجز أن يدعى كون العبد مجبورا على أفعاله ، للفرق الضروري بين الأفعال الاضطرارية ، كحركة المرتعش ، والأفعالل الاختيارية ،

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ١٣٨