تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعلى أنه من كلام الله فهو نسخ لقوله : ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ وهذا مروي في ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة وابن عباس أنه قال : لما نزلت ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ ( البقرة : 284 ) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله فأتوه وقالوا : لا نطيقها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا : ( سمعنا وأطعنا وسلمنا ) فألقى الله الإيمان في قلوبهم ، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل : ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ ، وإطلاق النسخ على هذا اصطلاح للمتقدمين ، والمراد البيان والتخصيص لأن الذي تطمئن له النفس : أن هذه الآيات متتابعة النظم ، ومع ذلك يجوز أن تكون نزلت منجمة ، فحدث بين فترة نزولها ما ظنه بعض المسلمين حرجا .

والوسع في القراءة بضم الواو ، في كلام العرب مثلث الواو وهو الطاقة والاستطاعة ، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع ، فهو من إطلاق المصدر وإرادة المفعول . والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن توجهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع .

وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى لعموم ( نفسا ) في سياق النفي ، لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال الخلق ، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله ، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات ، هذا حكم عام في الشرائع كلها .

وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق ، بشهادة قوله تعالى : ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ ( الحج : 78 ) وقوله : ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ ، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة ( المشقة تجلب التيسير ) . وكانت المشقة مظنة الرخصة ، وضبط المشاق المسقطة للعبادة مذكور في الأصول ، وقد أشبعت القول فيه في كتابي المسمى ( مقاصد الشريعة ) وما ورد من التكاليف الشاقة فأمر نادر ، في أوقات الضرورة ، كتكليف الواحد من المسلمين بالثباتت للعشرة من المشركين ، في أول الإسلام ، وقلة المسلمين .

وهذه المسألة هي المعنونة في كتب الأصلين بمسألة التكليف بالمحال ، والتكليف بما لا يطاق ، وهي مسألة أرنت بها كتب الأشاعرة والمعتزلة ، واختلفوا فيها اختلافا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ١٣٥