.
لما كان الإخبار عنهم بأنهم ﴿ يذرون ورآءهم يوما ثقيلا ﴾ ( الإنسان : 27 ) يتضمن أنهم ينكرون وقوع ذلك اليوم كما قدمناه وكان الباعث لهم على إنكاره شبهة استحالة إعادة الأجساد بعد بلاها وفنائها ، وكان الكلام السابق مسوقا مساق الذم لهم والإنكار عليهم جيء هنا بما هو دليل للإنكار عليهم وإبطال لشبهتهم ببيان إمكان إعادة خلقهم يعيده الذي خلقهم أول مرة كما قال تعالى : ﴿ فسيقولون من يعيدنا قلل الذي فطركم أول مرة ﴾ ( الإسراء : 51 ) وغير ذلك من الآيات الحائمة حول هذا المعنى .
وافتتاح الجملة بالمبتدإ المخبر عنه بالخبر الفعلي دون أن تفتتح ب ﴿ خلقناهم ﴾ أو نحن خالقون ، لإفادة تقوي الخبر وتحقيقه بالنظر إلى المعنيين بهذا الكلام وإن لم يكن خطابا لهم ولكنهم هم المقصود منه .
وتقوية الحكم بناء على تنزيل أولئك المخلوقين منزلة من يشك في أن الله خلقهم حيث لم يجرؤوا على موجب العلم فأنكروا أن الله يعيد الخلق بعد البلى ، فكأنهم يسندون الخلق الأول لغيره . وتقوي الحكم يترتب عليه أنه إذا شاء بدل أمثالهم بإعادة أجسادهم فلذلك لم يحتج إلى تأكيد جملة : ﴿ وإذا شئنا بدلنا أمثالهم ﴾ ، استغناء بتولد معناها عن معنى التي قبلها وإن كان هو أولى بالتقوية على مقتضى الظاهر . وهذا التقوي هنا مشعر بأن كلاما يعقبه هو مصب التقوي ، ونظيره في التقوي والتفريع قوله تعالى : { نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تمنون إلى قوله : وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم فإن المفرع هو أفرأيتم ما تمنون وما اتصل به . وجملة فلولا تصدقون معترضة وقد مضى في سورة الواقعة ( 57 61 ) .
فأمثالهم } : هي الأجساد الثانية إذ هي أمثال لأجسادهم الموجودة حين التنزيل .
والشد : الإحكام وإتقان ارتباط أجزاء الجسد بعضها ببعض بواسطة العظام والأعصاب والعروق إذ بذلك يستقل الجسم .
والأسر : الربط ، وأطلق هنا على الإحكام والإتقان على وجه الاستعارة .