تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أكد الخبر باللام و ( قد ) لتنزيل المعرض بهم منزلة من يظن أن الله عاقب الذين من قبلهم لغير جرم أو لجرم غير التكذيب . فهو مفرع على المؤكد ، فالمعنى : لقد كذب الذين من قبلهم ولقد كان نكيري عليهم بتلك الكيفية .

و ﴿ نكير ﴾ ؛ أصله نكيري بالإضافة إلى ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا ، كما في قوله : ﴿ فستعلمون كيف نذير ﴾ ( الملك : 17 ) ، والمعنى : كيف رأيتم أثر نكيري عليهم فاعلموا أن نكيري عليكم صائر بكم إلى مثل ما صار بهم نكيري عليهم .

والمراد بالنكير المنظر بنكير الله على الذين من قبلهم ، ما أفاده استفهام الإنكار في قوله : ﴿ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ﴾ ( الملك : 16 ) وقوله : ﴿ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ﴾ ( الملك : 17 ) .

.

عطف على جملة : ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ﴾ ( الملك : 15 ) استرسالا في الدلائل على انفراد الله تعالى بالتصرف في الموجودات ، وقد انتقل من دلالة أحوال البشر وعالمهم ، إلى دلالة أعجب أحوال العجماوات وهي أحوال الطير في نظام حركاتها في حال طيرانها إذ لا تمشي على الأرض كما هو في حركات غيرها على الأرض ، فحالها أقوى دلالة على عجيب صنع الله المنفرد به .

واشتمل التذكير بعجيب خلقة الطير في طيرانها على ضرب من الإطناب لأن الأوصاف الثلاثة المستفادة من قوله : ﴿ فوقهم صافات ويقبضن ﴾ تصور صورة حركات الطيران للسامعين فتنبههم لدقائق ربما أغفلهم عن تدقيق النظر فيها نشأتهم بينها من وقت ذهول الإدراك في زمن الصبا ، فإن المرء التونسي أو المغربي مثلا إذا سافر إلى بلاد الهند أو إلى بلاد السودان فرأى الفيلة وهو مكتمل العقل دقيق التمييز أدرك من دقائق خلقة الفيل ما لا يدركه الرجل من أهل الهند الناشىء بين الفيلة ، وكم غفل الناس عن دقائق في المخلوقات من الحيوان والجماد ما لو تتبعوه لتجلى لهم منها ما يملأ وصفه الصحف قال تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ ( الغاشية : 17 20 ) ، وقال : ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ ( الذاريات : 21 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٣٧