وقد رأيت بعض من شاهد البحر وهو كبير ، ولم يكن شاهده من قبل ، كيف امتلكه من العجب ما ليس لأحد ممن ألفوه معشاره .
وهذا الإطناب في هذه السورة مخالف لما في نظير هذه الآية من سورة النحل في قوله : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله . وذلك بحسب ما اقتضاه اختلاف المقامين فسورة النحل رابعة قبل سورة الملك ، فلما أوقظت عقولهم فيها للنظر إلى ما في خلقة الطير من الدلائل فلم يتفطنوا وسلك في هذه السورة مسلك الإطناب بزيادة ذكر أوصاف ثلاثة :
فالوصف الأول : ما أفاده قوله : فوقهم } فإن جميع الدواب تمشي على الأرض والطير كذلك فإذا طار الطائر انتقل إلى حالة عجيبة مخالفة لبقية المخلوقات وهي السير في الجو بواسطة تحريك جناحيه وذلك سر قوله تعالى : ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ( الأنعام : 38 ) بعد قوله : ﴿ ولا طائر في ﴾ ( سورة الأنعام : 38 ) لقصد تصوير تلك الحالة .
الوصف الثاني : ﴿ صافات ﴾ وهو وصف بوزن اسم الفاعل مشتق من الصف ، وهو كون أشياء متعددة متقاربة الأمكنة وباستواء ، وهو قاصر ومتعد ، يقال : صفوا ، بمعنى اصطفوا كما حكى الله عن الملائكة : ﴿ وإنا لنحن الصافون ﴾ ( الصافات : 165 ) وقال تعالى في البدن ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ ( الحج : 36 ) . ويقال : صفهم إذا جعلهم مستوين في الموقف ، وفي حديث ابن عباس في الجنائز ( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر منبوذ ) إلى قوله : ( فصفنا خلفه وكبر ) .
والمراد هنا أن الطير صافة أجنحتها فحذف المفعول لعلمه من الوصف الجاري على الطير إذ لا تجعل الطير أشياء مصفوفة إلا ريش أجنحتها عند الطيران فالطائر إذا طار بسط جناحيه ، أي مدها فصف ريش الجناح فإذا تمدد الجناح ظهر ريشه مصطفا فكان ذلك الاصطفاف من أثر فعل الطير فوصفت به ، وتقدم عند قوله تعالى : { والطير صافات في سورة النور . وبسط الجناحين يمكن الطائر من الطيران فهو كمد اليدين للسابح في الماء .
الوصف الثالث : ويقبضن } وهو عطف على ﴿ صافات ﴾ من عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل في الاشتقاق وإفادة الاتصاف بحدوث المصدر في فاعله ، فلم يفت بعطفه تماثل المعطوفين في الاسمية والفعلية الذي هو من محسنات الوصل .