وحذفت ياء المتكلم من ﴿ نذيري ﴾ تخفيفا وللرعي على الفاصلة .
والنذير مصدر بمعنى الإنذار مثل النكير بمعنى الإنكار .
وقدم التهديد بالخسف على التهديد بالحاصب لأن الخسف من أحوال الأرض ، والكلام على أحوالها أقرب هنا فسلك شبه طريق النشر المعكوس ، ولأن إرسال الحاصب عليهم جزاء على كفرهم بنعمة الله التي منها رزقهم في الأرض المشار إليه بقوله : ﴿ وكلوا من رزقه ﴾ ( الملك : 15 ) فإن منشأ الأرزاق الأرضية من غيوث السماء قال تعالى ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ ( الذاريات : 22 ) .
.
بعد أن وجه الله إليهم الخطاب تذكيرا واستدلالا وامتنانا وتهديدا وتهويلا ابتداء من قوله : ﴿ وأسروا قولكم أو اجهروا به ﴾ ( الملك : 13 ) التفت عن خطابهم إلى الإخبار عنهم بحالة الغيبة ، تعريضا بالغضب عليهم بما أتوه من كل تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا جديرين بإبعادهم عز الحضور للخطاب ، فلذلك لم يقل ( ولقد كذب الذين من قبلكم ) ولم يقطع توجيه التذكير إليهم والوعيد لعلهم يتدبرون في أن الله لم يدخرهم نصحا .
فالجملة عطف على جملة ﴿ أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ﴾ ( الملك : 17 ) لمناسبة أن مما عوقب به بعض الأمم المكذبين من خسف أو إرسال حجارة من السماء وهم قوم لوط ، ومنهم من خسف بهم مثل أصحاب الرس .
ولك أن تجعل الواو للحال ، أي كيف تأمنون ذلك عندما تكذبون الرسول في حال أنه قد كذب الذين من قبلكم فهل علمتم ما أصابهم على تكذيبهم الرسل .
ضرب الله لهم مثلا بأمم من قبلهم كذبوا الرسل فأصابهم من الاستئصال ما قد علموا أخباره لعلهم أن يتعظوا بقياس التمثيل إن كانت عقولهم لم تبلغ درجة الانتفاع بأقيسة الاستنتاج ، فإن المشركين من العرب عرفوا آثار عاد وثمود وتناقلوا أخبار قوم نوح وقوم لوط وأصحاب الرس وفرع ﴿ فكيف كان نكير ﴾ استفهاما تقريريا وتنكيريا وهو كناية عن تحقيق وقوعه وأنه وقع في حال فظاعة .