تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المنادى بوصف هيئته من لبسة أو جلسة أو ضجعة كان المقصود في الغالب التلطف به والتحبب إليه ولهيئته ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب وقد وجده مضطجعا في المسجد وقد علق تراب المسجد بجنبه ( قم أبا تراب ) وقوله لحذيفة بن اليمان يوم الخندق ( قم يا نومان ) ، وقوله لعبد الرحمن بن صخر الدوسي وقد رءاه حاملا هرة صغيرة في كمه ( يا أبا هريرة ) .

فنداء النبي ب ﴿ يا أيها المزمل ﴾ نداء تلطف وارتفاق ومثله قوله تعالى : ﴿ يا أيها المدثر ﴾ ( المدثر : 1 ) .

و ﴿ المزمل ﴾ : اسم فاعل من تزمل ، إذا تلفف بثوبه كالمقرور ، أو مريد النوم وهو مثل التدثر في مآل المعنى وإن كان بينهما اختلاف في أصل الاشتقاق فالتزمل مشتق من معنى التلفف ، والتدثر مشتق من معنى اتخاذ الدثار للتدفؤ . وأصل التزمل مشتق من الزمل بفتح فسكون وهو الإخفاء ولا يعرف ل ( تزمل ) فعل مجرد في معناه فهو من التفعل الذي تنوسي منه معنى التكلف للفعل ، وأريد في إطلاقه معنى شدة التلبس ، وكثر مثل هذا في الاشتمال على اللباس ، فمنه التزمل ومنه التعمم والتأزر والتقمص ، وربما صاغوا له صيغة الافتعال مثل : ارتدى وائتزر .

وأصل ﴿ المزمل ﴾ : المتزمل ، أدغمت التاء في الزاي بعد قلبها زايا لتقاربهما .

وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين : إنه التزمل الذي جرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( زملوني زملوني ) حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ ( العلق : 1 ) الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من ( صحيح البخاري ) وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذ ، وعليه فهو حقيقة .

وقيل : هو ما في حديث جابر بن عبد الله قال : ( لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا : سموا هذا الرجل اسما تصدر الناس عنه ( أي صفوه وصفا تتفق عليه الناس ) فقالوا : كاهن ، وقالوا : مجنون ، وقالوا : ساحر ، فصدر المشركون على وصفه ب ( ساحر ) فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وتزمل في ثيابه وتدثر ، فأتاه جبريل فقال : ﴿ يا أيها المزمل ﴾ ﴿ يا أيها المدثر ﴾ ( المدثر : 1 ) .

وسيأتي في سورة المدثر أن سبب نزولها رؤيته الملك جالسا على كرسي بين

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٢٥٦