تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السماء والأرض فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال : ( دثروني ) ، فيتعين أن سبب ندائه ب ﴿ يا أيها المزمل ﴾ كان عند قوله : ( زملوني ) ، فذلك عندما اغتم من وصف المشركين إياه بالجنون وأن ذلك غير سبب ندائه ب { يا أيها المدثر في سورة المدثر .

وقيل : هو تزمل للاستعداد للصلاة فنودي يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا } وهذا مروي عن قتادة . وقريب منه عن الضحاك وهي أقوال متقاربة .

ومحملها على أن التزمل حقيقة ، وقال عكرمة : معناه زملت هذا الأمر فقم به ، يريد أمر النبوءة فيكون قوله : ﴿ الليل إلا قليلا ﴾ مع قوله : ﴿ إن لك في النهار سبحا طويلا ﴾ ( المزمل : 7 ) تحريضا على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلا قليلا من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه . ومحمل التزمل عنده على المجاز .

فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالا على أن الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة ﴿ اقرأ باسم ربك ﴾ ( العلق : 1 ) ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد بن المغيرة أن يقولوا : إنه مجنون .

أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل ، ثم فتر الوحي فلما رأى الملك الذي أرسل إليه بحراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه { يا أيها المدثر .

فنداء النبي بوصف المزمل } باعتبار حالته وقت ندائه وليس المزمل معدودا من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم قال السهيلي : ولم يعرف به وذهب بعض الناس إلى عده من أسمائه .

وفعل ﴿ قم ﴾ منزل منزلة اللازم فلا يحتاج إلى تقدير متعلق لأن القيام مراد به الصلاة ، فهذا قيام مغاير للقيام المأمور به في سورة المدثر بقوله ﴿ قم فأنذر ﴾ ( المدثر : 2 ) فإن ذلك بمعنى الشروع كما يأتي هنالك .

و ﴿ الليل ﴾ : زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر . وانتصب ﴿ الليل ﴾ على

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٩ · الصفحة ٢٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٩ · ص ٢٥٧