وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء في ﴾ ( سورة آل عمران : 26 ) .
و ﴿ الملك ﴾ بضم الميم : اسم لأكمل أحوال الملك بكسر الميم ، والملك بالكسر جنس للملك بالضم ، وفسر الملك المضموم بضبط الشيء المتصرف فيه بالحكم ، وهو تفسير قاصر ، وأرى أن يفسر بأنه تصرف في طائفة من الناس ووطنهم تصرفا كاملا بتدبير ورعاية ، فكل ملك ( بالضم ) ملك ( بالكسر ) وليس كل ملك ملكا .
وقد تقدم في قوله : ﴿ ملك يوم الدين في ﴾ ( الفاتحة : 4 ) وعند قوله : ﴿ أنى يكون له الملك علينا في ﴾ ( سورة البقرة : 247 ) ، وجملة : ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ معطوفة على جملة : ﴿ بيده الملك ﴾ التي هي صلة الموصول وهي تعميم بعد تخصيص لتكميل المقصود من الصلة ، إذ أفادت الصلة عموم تصرفه في الموجودات ، وأفادت هذه عموم تصرفه في الموجودات والمعدومات بالإعدام للموجودات والإيجاد للمعدومات ، فيكون قوله : ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ مفيدا معنى آخر غير ما أفاده قوله : ﴿ بيده الملك ﴾ تفاديا من أن يكون معناه تأكيدا لمعنى ﴿ بيده الملك ﴾ وتكون هذه الجملة تتميما للصلة . وفي معنى صلة ثانية ثم عطفت ولم يكرر فيها اسم موصول بخلاف قوله : ﴿ الذي خلق الموت ﴾ ( الملك : 2 ) وقوله : ﴿ الذي خلق سبع سموات ﴾ ( الملك : 3 ) .
و ﴿ شيء ﴾ ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، وهذا هو الإطلاق الأصلي في اللغة . وقد يطلق ( الشيء ) على خصوص الموجود بحسب دلالة القرائن والمقامات . وأما التزام الأشاعرة : أن الشيء لا يطلق إلا على الموجود فهو التزام ما لا يلزم دعا إليه سد باب الحجاج مع المعتزلة في أن الوجود عين الموجود أو زائد على الموجود ، فتفرعت عليه مسألة : أن المعدوم شيء عند جمهور المعتزلة وأن الشيء لا يطلق إلا على الموجود عند الأشعري وبعض المعتزلة وهي مسألة لا طائل تحتها ، والخلاف فيها لفظي ، والحق أنها مبنية على الاصطلاح في مسائل علم الكلام لا على تحقيق المعنى في اللغة .
وتقديم المجرور في قوله : ﴿ على كل شيء قدير ﴾ للاهتمام بما فيه من التعميم ، ولإبطال دعوى المشركين نسبتهم الإلاهية لأصنامهم مع اعترافهم بأنها لا تقدر على خلق السموات والأرض ولا على الإحياء والإماتة .