تبعا لعموم الأزمان ويعم الاستطاعات ، فلا يتخلوا عن التقوى في شيء من الأزمان . وجعلت الأزمان ظرفا للاستطاعة لئلا يقصروا بالتفريط في شيء يستطيعونه فيما أمروا بالتقوى في شأنه ما لم يخرج عن حد الاستطاعة إلى حد المشقة قال تعالى : ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ ( البقرة : 185 ) .
فليس في قوله : ﴿ ما استطعتم ﴾ تخفيف ولا تشديد ولكنه عدل وإنصاف . ففيه ما عليهم وفيه ما لهم .
روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال : ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني : ( فيما استطعت ) ، وعن ابن عمر : كنا إذا بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا ( فيما استطعت ) .
وعطف ﴿ واسمعوا وأطيعوا ﴾ على ( اتقوا الله ) من عطف الخاص على العام للاهتمام به ، ولأن التقوى تتبادر في ترك المنهيات فإنها مشتقة من وقى . فتقوى الله أن يقي المرء نفسه مما نهاه الله عنه ، ولما كان ترك المأمورات فيؤول إلى إتيان المنهيات ، لأن ترك الأمر منهي عنه إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده . كان التصريح به بخصوصه اهتماما بكلا الأمرين لتحصل حقيقة التقوى الشرعية وهي اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات .
والمراد : اسمعوا الله ، أي أطيعوه بالسمع للرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته .
والأمر بالسمع أمر يتلقى الشريعة والإقبال على سماع مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم وذلك وسيلة التقوى قال تعالى : ﴿ فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ ( الزمر : 17 ، 18 ) .
وعطف عليه ﴿ وأطيعوا ﴾ : أي أطيعوا ما سمعتم من أمر ونهي .
وعطف ﴿ وأنفقوا ﴾ تخصيص بعد تخصيص فإن الإنفاق مما أمر الله به فهو من المأمورات .
وصيغة الأمر تشتمل واجب الإنفاق والمندوب ففيه التحريض على الإنفاق بمرتبتيه وهذا من الاهتمام بالنزاهة عن فتنة المال التي ذكرت في قوله : ﴿ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ﴾ ( التغابن : 15 ) .