تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى قوله : ﴿ لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا ﴾ في سورة النبأ ( 31 35 ) .

واللغو : سقط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل .

والتأثيم : ما يؤثم به فاعله شرعا أو عادة من فعل أو قول مثل الضرب والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو عنه الندامى غالبا ، فأهل الجنة منزهون عن ذلك كله لأنهم من عالم الحقائق والكمالات فهم حكماء علماء ، وقد تمدح أصحاب الأحلام من أهل الجاهلية بالتنزه عن مثل ذلك ، ومنهم من اتقى ما يعرض من الفلتات فحرم على نفسه الخمر مثل قيس بن عاصم .

وقرأ الجمهور ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ برفعهما على أن ( لا ) مشبهة ب ( ليس ) . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتحهما على أن ( لا ) مشبهة ب ( إن ) وهما وجهان في نفي النكرة إذا كانت إرادة الواحد غير محتملة ومثله قولها في حديث أم زرع : ( زوجي كليلل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة ) رويت النكرات الأربع بالرفع وبالنصب .

عطف على جملة ﴿ يتنازعون فيها كأسا ﴾ ( الطور : 23 ) فهو من تمامه وواقع موقع الحال مثله ، وجيء به في صيغة المضارع للدلالة على التجدد والتكرر ، أي ذلك لا ينقطع بخلاف لذات الدنيا فإنها لا بد لها من الانقطاع بنهايات تنتهي إليها فتكره لأصحابها الزيادة منها مثلل الغول ، والإطباق ، ووجع الأمعاء في شرب الخمر ومثل الشبع في تناول الطعام وغير ذلك من كل ما يورث العجز عن الازدياد عن اللذة ويجعل الازدياد ألما .

ولم يستثن من ذلك إلا لذات المعارف ولذات المناظر الحسنة والجمال .

ولما أشعر فعل ﴿ يطوف ﴾ بأن الغلمان يناولونهم ما فيه لذاتهم كان مشعرا بتجدد المناولة وتجدد الطواف وقد صار كل ذلك لذة لا سآمة منها .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٧ · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٧ · ص ٥٤