واستهزؤوا بها وبوعيده فحاق بهم ما كانوا يستهزئون به ، وقريش يعلمون أن حالهم مثل الحال المحكية عن أولئك فليتهيأوا لما سيحل بهم . ولإفادة هذا الاستخلاص غير أسلوب الكلام إلى خطاب المشركين من أهل مكة ، فالجملة في موضع الحال من واو الجماعة في ﴿ قالوا أجئتنا ﴾ ( الأحقاف : 22 ) والخبر مستعمل في التعجيب من عدم انتفاعهم بمواهب عقولهم . وتأكيد هذا الخبر بلام القسم مع أن مفاده لا شك فيه مصروف إلى المبالغة في التعجيب .
والتمكين : إعطاء المكنة ( بفتح الميم وكسر الكاف ) وهي القدرة والقوة . يقال : مكن من كذا وتمكن منه ، إذا قدر عليه . ويقال : مكنه في كذا ، إذا جعل له القدرة على مدخول حرف الظرفية فيفسر بما يليق بذلك الظرف قال تعالى : { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لهم في سورة الأنعام .
فالمعنى : جعلنا لهم القدرة في الذي لم نمكنكم فيه ، أي من كل ما يمكن فيه الأقوام والأمم ، وتقدم عند قوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض في أول الأنعام فضم إليه ما هنا .
و ( ما ) من قوله فيما } موصولة . و ﴿ إن ﴾ نافية ، أي في الذي ما مكناكم فيه .
ومعنى مكناكم فيه : مكناكم في مثله أو في نوعه فإن الأجناس والأنواع من الذوات حقائق معنوية لا تتغير مواهبها وإنما تختلف بوجودها في الجزئيات ، فلذلك حسن تعدية فعل ﴿ مكناكم ﴾ بحرف الظرفية إلى ضمير اسم الموصول الصادق على الأمور التي مكنت منها عاد . ومن بديع النظم أن جاء النفي هنا بحرف ﴿ إن ﴾ النافية مع أن النفي بها أقل استعمالا من النفي ب ( ما ) النافية قصدا هنا لدفع الكراهة من توالي مثلين في النطق وهما ( ما ) الموصولة و ( ما ) النافية وإن كان معناهما مختلفا ، ألا ترى أن العرب عوضوا الهاء عن الألف في ( مهما ) ، فإن أصلها : ( ما ما ) مركبة من ( ما )