وقرأ الجمهور يتفطرن } بتحتية ثم فوقية وأصله مضارع التفطر ، وهو مطاوع التفطير الذي هو تكرير الشق . وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب بتحتية ثم نون وهو مضارع : انفطر ، مطاوع الفطر مصدر فطر الثلاثي ، إذا شق ، وليس المقصود منه على القراءتين قبول أثر الفاعل إذ لا فاعل هنا للشق وإنما المقصود الخبر بحصول الفعل ، وهذا كثير ، كقولهم : انشق ضوء الفجر ، فلا التفات هنا لما يقصد غالبا في مادة التفعل من تكرير الفعل إذ لا فاعل للشق هنا ولا لتكرره ، فاستوت القراءتان في باب البلاغة ، على أن استعمال صيغ المطاوعة في اللغة ذو أنحاء كثيرة واعتبارات كما نبه عليه كلام الرضي في ( شرح الشافية ) .
وقوله : ﴿ من فوقهن ﴾ يجوز أن يكون ضمير ﴿ فوقهن ﴾ عائدا على ﴿ السماوات ﴾ ، فيكون المجرور متعلقا بفعل ﴿ يتفطرن ﴾ بمعنى : أن انشقاقهن يحصل من أعلاهن ، وذلك أبلغ الانشقاق لأنه إذا انشق أعلاهن كان انشقاق ما دونه أولى ، كما قيل في قوله تعالى : ﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ كما تقدم في سورة البقرة وفي سورة الحج . وتكون ﴿ من ﴾ ابتدائية .
ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى ﴿ الأرض ﴾ من قوله تعالى : ﴿ وما في الأرض ﴾ ( الشورى : 4 ) على تأويل الأرض بأرضين باعتبار أجزاء الكرة الأرضية أو بتأويل الأرض بسكانها من باب ﴿ واسأل القرية ﴾ ( يوسف : 82 ) .
وتكون ﴿ من ﴾ زائدة زيادتها مع الظروف لتأكيد الفوقية ، فيفيد الظرف استحضار حالة التفطر وحالة موقعه ، وقد شبه انشقاق السماء بانشقاق الوردة في قوله تعالى : ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ ( الرحمن : 37 ) . والوردة تنشق من أعلاها حين ينفتح برعومها فيوشك إن هن تفطرن أن يخررن على الأرض ، أي يكاد يقع ذلك لما فشا في الأرض من إشراك وفساد على معنى قوله تعالى : ﴿ وقالوا اتخذ الرحمان ولدا لقد جئتم شيئا إدا يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ﴾ ( مريم : 88 90 ) ويرجحه قوله الآتي : ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ﴾ ( الشورى : 6 ) . وعن ابن عباس ﴿ يكاد السماوات يتفطرن ﴾ من قول المشركين ﴿ اتخذ الله ولدا ﴾ ( البقرة : 116 ) .