في قوله : أم اتخذ مما يخلق بنات } ( الزخرف : 16 ) . والتقدير : أأتخذ من ينشأ في الحلية الخ . ولك أن تجعل ﴿ من ينشؤا في الحلية ﴾ بدلا من قوله { بنات بدلا مطابقا وأبرز العامل في البدل لتأكيد معنى الإنكار لا سيما وهو قد حذف من المبدل منه . وإذ كان الإنكار إنما يتسلط على حكم الخبر كان موجب الإنكار الثاني مغايرا لموجب الإنكار الأول وإن كان الموصوف بما لوصفين اللذين تعلق بهما الإنكار موصوفا واحدا وهو الأنثى .
ونشء الشيء في حالة أن يكون ابتداء وجوده مقارنا لتلك الحالة فتكون للشيء بمنزلة الظرف . ولذلك اجتلب حرف في } الدالة على الظرفية وإنما هي مستعارة لمعنى المصاحبة والملابسة فمعنى ﴿ من ينشؤا في الحلية ﴾ من تجعل له الحلية من أول أوقات كونه ولا تفارقه ، فإن البنت تتخذ لها الحلية من أول عمرها وتستصحب في سائر أطوارها ، وحسبك أنها شقت طرفا أذنيها لتجعل لها فيهما الأقراط بخلاف الصبي فلا يحلى بمثل ذلك وما يستدام له . والنشء في الحلية كناية عن الضعف عن مزاولة الصعاب بحسب الملازمة العرفية فيه . والمعنى : أن لا فائدة في اتخاذ الله بنات لا غناء لهن فلا يحصل له باتخاذها زيادة عزة ، بناء على متعارفهم ، فهذا احتجاج إقناعي خطابي .
و ﴿ الخصام ﴾ ظاهره : المجادلة والمنازعة بالكلام والمحاجة ، فيكون المعنى : أن المرأة لا تبلغ المقدرة على إبانة حجتها . وعن قتادة : ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها ، وعنه : ﴿ من ينشأ في الحلية ﴾ هن الجواري يسفههن بذلك ، وعلى هذا التفسير درج جميع المفسرين .
والمعنى عليه : أنهن غير قوادر على الانتصار بالقول فبلأولى لا يقدرن على ما هو أشد من ذلك في الحرب ، أي فلا جدوى لاتخاذهن أولادا .
ويجوز عندي : أن يحمل الخصام على التقاتل والدفاع باليد فإن الخصم يطلق على المحارب ، قال تعالى : ﴿ هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ ( الحج : 19 ) فسر بأنهم نفر من المسلمين مع نفر من المشركين تقاتلوا يوم بدر .