تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و ﴿ سيئة ﴾ صفة لمحذوف ، أي فعلة تسوء من عومل بها . ووزن ﴿ سيئة ﴾ فيعلة مبالغة في الوصف مثل : هينة ، فعينها ياء ولامها همزة ، لأنها من ساء ، فلما صيغ منها وزن فيعلة التقت ياءانن فأدغمتا ، أي أن المجازيء يجازيء من فعل معه فعلة تسوءه بفعلة سيئة مثل فعلته في السوء ، وليس المراد بالسيئة هنا المعصية التي لا يرضاها الله ، فلا إشكال في إطلاق السيئة على الأذى الذي يلحق بالظالم .

ومعنى ﴿ مثلها ﴾ أنها تكون بمقدارها في متعارف الناس ، فقد تكون المماثلة في الغرض والصورة وهي المماثلة التامة وتلك حقيقة المماثلة مثل القصاص من القاتل ظلما بمثل ما قتل به ، ومن المعتدي بجراح عمد ، وقد تتعذر المماثلة التامة فيصار إلى المشابهة في الغرض ، أي مقدار الضر وتلك هي المقاربة مثل تعذر المشابهة التامة في جزاء الحروب مع عدو الدين إذ قد يلحق الضر بأشخاص لم يصيبوا أحدا بضر ويسلم أشخاص أصابوا الناس بضر ، فالمماثلة في الحرب هي انتقام جماعة من جماعة بمقدار ما يشفي نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه الناس .

ومن ذلك أيضا إتلاف بعض الحواس بسبب ضرب على الرأس أو على العين فيصار إلى الدية إذ لا تضبط إصابة حاسة الباغي بمثل ما أصاب به حاسة المعتدى عليه . وكذلك إعطاء قيم المتلفات من المقومات إذ يتعسر أن يكلف الجاني بإعطاء مثل ما أتلفه .

ومن مشاكل المماثلة في العقوبة مسألة الجماعة يتمالؤون على قتل أحد عمدا ، أو على قطع بعض أعضائه ؛ فإن اقتص من واحد منهم كان ذلك إفلاتا لبقية الجناة من عقوبة جرمهم ، وإن اقتص من كل واحد منهم كان ذلك زيادة في العقوبة لأنهم إنما جنوا على واحد .

فمن العلماء من لم يعتد بتلك الزيادة ونظر إلى أن كل واحد منهم جنى على المجني عليه فاستحق الجزاء بمثل ما ألحقه بالمجني عليه ، وجعل التعدد ملغى وراعى في ذلك سد ذريعة أن يتحيل المجرم على التنصل من جرمه بضم جماعة إليه ، وهذا قول مالك والشافعي أخذا من قضاء عمر بن الخطاب ، وقوله : لو اجتمع على قتله أهل صنعاء لاقتصصت منهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٥ · الصفحة ١١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٥ · ص ١١٥