ومنهم من عدل عن الزيادة مطلقا وهو قول داود الظاهري ، ومنهم من عدل عن تلك الزيادة في القطع ولم يعدل عنها في القتل ، ولعل ذلك لأن عمر بن الخطاب قضى به في القتل ولم يؤثر عن أحد في القطع . وربما ألغى بعضهم الزيادة إذا كان طريق ثبوت الجناية ضعيفا مثل القسامة مع اللوث عند من يرى القصاص بها فإن مالكا لم ير أن يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد .
واعلم أن المماثلة في نحو هذا تحقق بقيمة الغرم كما اعتبرت في الديات وأروش الجنايات .
وجملة ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ في موضع العلة لكلام محذوف دل عليه السياق فيقدر : أنه يحب العافين كما قال ﴿ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ( آل عمران : 134 ) . ونصره على ظالمه موكول إلى الله وهو لا يحب الظالمين ، أي فيؤجر الذين عفوا وينتصر لهم على الباغين لأنه لا يحب الظالمين فلا يهمل الظالم دون عقاب ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ( الإسراء : 33 ) . وقد استفيد حب الله العافين من قوله : إنه لا يحب الظالمين ﴾ ، وعلى هذا فما صدق الظالمين : هم الذين أصابوا المؤمنين بالبغي .
ويجوز أيضا أن يكون التعليل بقوله : ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ منصرفا لمفهوم جملة ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ أي دون تجاوز المماثلة في الجزاء كقوله : ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ ( النمل : 126 ) فيكون ما صدق ﴿ الظالمين ﴾ : الذين يتجاوزون الحد في العقوبة من المؤمنين على أن يكون تحذيرا من مجاوزة الحد ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من حام الحمى يوشك أن يقع فيه ) .
وقد شملت هذه الآية بموقعها الاعتراضي أصول الإرشاد إلى ما في الانتصار من الظالم وما في العفو عنه من صلاح الأمة ، ففي تخويل حق انتصار المظلوم من ظالمه ردع للظالمين عن الإقدام على الظلم خوفا من أن يأخذ المظلوم بحقه ، فالمعتدي يحسب لذلك حسابه حين الهم بالعدوان .
وفي الترغيب في عفو المظلوم عن ظالمه حفظ آصرة الأخوة الإسلامية بين المظلوم وظالمه كيلا تنثلم في آحاد جزئياتها بل تزداد بالعفو متانة كما قال تعالى :