والمعنى دعاء بأن يجعلهم الله معهم في مساكن متقاربة ، كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ هم وأزواجهم في ظلال ﴾ في سورة يس ، وقوله : ﴿ ألحقنا بهم ذرياتهم ﴾ في سورة الطور .
ورتبت القرابات في هذه الآية على ترتيبها الطبيعي فإن الآباء أسبق علاقة بالأبناء ثم الأزواج ثم الذريات .
وجملة ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ اعتراض بين الدعوات استقصاء للرغبة في الإجابة بداعي محبة الملائكة لأهل الصلاح لما بين نفوسهم والنفوس الملكية من التناسب . واقتران هذه الجملة بحرف التأكيد للاهتمام بها . و ( إن ) في مثل هذا المقام تغني غناء فاء السببية ، أي فعزتك وحكمتك هما اللتان جرأتانا على سؤال ذلك من جلالك ، فالعزة تقتضي الاستغناء عن الانتفاع بالأشياء النفيسة فلما وعد الصالحين الجنة لم يكن لله ما يضنه بذلك فلا يصدر منه مطل ، والحكمة تقتضي معاملة المحسن بالإحسان .
وأعقبوا بسؤال النجاة من العذاب والنعيم بدار الثواب بدعاء بالسلامة من عموم كل ما يسوءهم يوم القيامة بقولهم : ﴿ وقهم السيئات ﴾ وهو دعاء جامع إذ السيئات هنا جمع سيئة وهي الحالة أو الفعلة التي تسوء من تعلقت به مثل ما في قوله : ﴿ فوقاه الله سيئات ما مكروا ﴾ ( غافر : 45 ) وقوله تعالى : ﴿ وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ ( الأعراف : 131 ) صيغت على وزن فيعلة للمبالغة في قيام الوصف بالموصوف مثل قيم وسيد وصيقل ، فالمعنى : وقهم من كل ما يسوءهم .
فالتعريف في ﴿ السيئات ﴾ للجنس وهو صالح لإفادة الاستغراق ، فوقوعه في سياق ما هو كالنفي وهو فعل الوقاية يفيد عموم الجنس ، على أن بساط الدعاء يقتضي عموم الجنس ولو بدون لام نفي كقول الحريري :
يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا