والمعنى : لكم فيها ما تشتهونه مما يقع تحت الحس وما تتمنونه في نفوسكم من كل ما يخطر بالبال مما يجول في الخيال ، فما يدعون غير ما تشتهيه أنفسهم .
ولهذه المغايرة أعيد ﴿ لكم ﴾ ليؤذن باستقلال هذا الوعد عن سابقه ، فلا يتوهم أن العطف عطف تفسير أو عطف عام على خاص .
والنزل بضم النون وضم الزاي : ما يهيأ للضيف من القرى ، وهو مشتق من النزول لأنه كرامة النزيل ، وهو هنا مستعار لما يعطونه من الرغائب سواء كانت رزقا أم غيره . ووجه الشبه سرعة إحضاره كأنه مهيأ من قبلل أن يشتهوه أو يتمنوه .
و ﴿ من غفور رحيم ﴾ صفة ﴿ نزلا ﴾ ، و ﴿ من ﴾ ابتدائية .
وانتصب ﴿ نزلا ﴾ على الحال من ﴿ ما تشتهي أنفسكم ﴾ . و ﴿ ما تدعون ﴾ حال كونه كالنزل المهيأ للضيف ، أي تعطونه كما يعطى النزل للضيف .
وأوثرت صفتا ( الغفور الرحيم ) هنا للإشارة إلى أن الله غفر لهم أو لأكثرهم اللمم وما تابوا منه ، وأنه رحيم بهم لأنهم كانوا يحبونه ويخافونه ويناصرون دينه .
ليس هذا من حكاية خطاب الملائكة للمؤمنين في الآخرة وإنما هو موجه من الله فالأظهر أنه تكملة للثناء على ﴿ الذين قالوا : ربنا الله ( فصلت : 30 ) ، واستقاموا ، وتوجيه لاستحقاقهم تلك المعاملة الشريفة ، وقمع للمشركين إذ تقرع أسماعهم ، أي كيف لا يكونون بتلك المثابة وقد قالوا أحسن القول وعملوا أحسن العمل . وذكر هذا الثناء عليهم بحسن قولهم عقب ذكر مذمة المشركين ووعيدهم على سوء قولهم : لا تسمعوا لهذا القرآن ( فصلت : 26 ) ، مشعر لا محالة بأن بين الفريقين بونا بعيدا ، طرفاه : الأحسن المصرح به ، والأسوأ المفهوم بالمقابلة ، أي فلا يستوي الذين قالوا أحسن القول وعملوا أصلح العمل مع الذين قالوا أسوأ القول وعملوا أسوأ العمل ، ولهذا عقب بقوله : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ ( فصلت : 34 ) .