.
ووصف الرواسي ب ﴿ من فوقها ﴾ لاستحضار الصورة الرائعة لمناظر الجبال ، فمنها الجميل المنظر المجلل بالخضرة أو المكسو بالثلوج ، ومنها الرهيب المرأى مثل جبال النار ( البراكين ) ، والجبال المعدنية السود .
و ﴿ بارك فيها ﴾ جعل فيها البركة . والبركة : الخير النافع ، وفي الأرض خيرات كثيرة فيها رزق الإنسان وماشيته ، وفيها التراب والحجارة والمعادن ، وكلها بركات . و ﴿ قدر ﴾ جعل قدرا ، أي مقدارا ، قال تعالى : ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدرا ﴾ ( الطلاق : 3 ) . والمقدار : النصاب المحدود بالنوع أو بالكمية ، فمعنى ﴿ قدر فيها أقواتها ﴾ أنه خلق في الأرض القوى التي تنشأ منها الأقوات وخلق أصول أجناس الأقوات وأنواعها من الحب للحبوب ، والكلأ والكمأة ، والنوى للثمار ، والحرارة التي يتأثر بها تولد الحيوان من الدواب والطير ، وما يتولد منه الحيتان ودواب البحار والأنهار .
ومن التقدير : تقدير كل نوع بما يصلح له من الأوقات من حر أو برد أو اعتدال . وأشار إلى ذلك قوله : ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتا ﴾ ( نوح : 17 ) ويأتي القول فيه ، وقوله : ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ ( النحل : 81 ) وقوله : ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ﴾ ( النحل : 80 ) الآية .
وجمع الأقوات مضافا إلى ضمير الأرض يفيد العموم ، أي جميع أقواتها وعمومه باعتبار تعدد المقتاتين ، فللدواب أقوات ، وللطير أقوات ، وللوحوش أقوات ، وللزواحف أقوات ، وللحشرات أقوات ، وجعل للإنسان جميع تلك الأقوات مما استطاب منها كما أفاده قوله تعالى : ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ﴾ ومضى الكلام عليه في سورة البقرة .
وقوله : ﴿ في أربعة أيام ﴾ فذلكة لمجموع مدة خلق الأرض جرمها ، وما عليها من رواسي ، وما فيها من القوى ، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليومانن اللذان في قوله : ﴿ في يومين ﴾ ( فصلت : 9 ) فكأنه قيل : في يومين آخرين فتلك أربعة أيام ، فقوله في ﴿ أربعة أيام ﴾ فذلكة ، وعدل عن ذلك إلى ما في نسج الآية لقصد الإيجاز