( 1 2 )
فاتحة أنيقة في التنويه بالقرآن جعلت مقدمة لهذه السورة لأن القرآن جامع لما حوته وغيره من أصول الدين .
ف ﴿ تنزيل ﴾ مصدر مراد به معناه المصدري لا معنى المفعول ، كيف وقد أضيف إلى الكتاب وأصل الإضافة أن لا تكون بيانية .
وتنزيل : مصدر نزل المضاعف وهو مشعر بأنه أنزله منجما . واختيار هذه الصيغة هنا للرد على الطاعنين لأنهم من جملة ما تعللوا به قولهم : ﴿ لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ ( الفرقان : 32 ) . وقد تقدم الفرق بين المضاعف والمهموز في مثله في المقدمة الأولى .
والتعريف في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد ، وهو القرآن المعهود بينهم عند كل تذكير وكل مجادلة . وأجرى على اسم الجلالة الوصف ب ﴿ العزيز الحكيم ﴾ للإيماء إلى أن ما ينزل منه يأتي على ما يناسب الصفتين ، فيكون عزيزا قال تعالى : ﴿ وإنه لكتاب عزيز ﴾ ( فصلت : 41 ) ، أي القرآن ، عزيز غالب بالحجة لمن كذب به ، وغالب بالفضل لما سواه من الكتب من حيث إن الغلبة تستلزم التفضل والتفوق ، وغالب لبلغاء العرب إذ أعجزهم عن معارضة سورة منه ، ويكون حكيما مثل صفة منزله .
والحكيم : إما بمعنى الحاكم ، فالقرآن أيضا حاكم عن معارضيه بالحجة ، وحاكم على غيره من الكتب السماوية بما فيه من التفصيل والبيان قال تعالى : ﴿ مصدقا لمن بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ﴾ ( المائدة : 48 ) .
وإما بمعنى : المحكم المتقن ، فالقرآن مشتمل على البيان الذي لا يحتمل الخطأ ، وإما بمعنى الموصوف بالحكمة ، فالقرآن مشتمل على الحكمة كاتصاف منزله بها . وهذه معان مرادة من الآية فيما نرى ، على أن في هذين الوصفين إيماء إلى أن القرآن معجز ببلاغة لفظه وبإعجازه العلمي ، إذا اشتمل على علوم لم يكن للناس علم بها كما بيناه في المقدمة العاشرة .
وفي وصف ﴿ الحكيم ﴾ إيماء إلى أنه أنزله بالحكمة وهي الشريعة ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ ( البقرة : 269 ) .