تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه ثبات الشجاعة فتدفعه على النفس ونفوس الناس متفاوتة في دوامه وانقشاعه ، فأما إذا أمن الله نبيئا فذلك مقام آخر كقوله لموسى ﴿ لا تخف ﴾ وقوله للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ ( البقرة : 137 ) .

وثانيا : بأن الذي حصل لداود عليه السلام فزع وليس بخوف . والفزع أعم من الخوف إذ هو اضطراب يحصل من الإحساس بشيء شأنه أن يتخلص منه وقد جاء في حديث خسوف الشمس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فزعا ، أي مسرعا مبادرا للصلاة توقعا أن يكون ذلك الخسوف نذير عذاب ) ، ولذلك قال القرآن ﴿ ففزع منهم ﴾ ولم يقل : خاف . وقال في إبراهيم عليه السلام ﴿ فأوجس منهم خيفة ﴾ ( الذاريات : 28 ) أي توجسا ما لم يبلغ حد الخوف . وأما قول الخصم لداود ﴿ لا تخف ﴾ فهو قول يقوله القادم بهيئة غير مألوفة من شأنها أن تريب الناظر .

وثالثا : أن الأنبياء مأمورون بحفظ حياتهم لأن حياتهم خير للأمة فقد يفزع النبي من توقع خطر خشية أن يكون سببا في هلاكه فينقطع الانتفاع به لأمته . وقد جاء في حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرق ذات ليلة فقال : ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة إذ سمعنا صوت السلاح فقال : من هذا ؟ قال : سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك . قالت : فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه ) . وروى الترمذي : أن العباس كان يحرس النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى : ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ ( المائدة : 67 ) فتركت الحراسة .

ومعنى ﴿ بغى بعضنا ﴾ اعتدى وظلم . والبغي : الظلم ، والجملة صفة ل ﴿ خصمان ﴾ والرابط ضمير ﴿ بعضنا ﴾ ، وجاء ضمير المتكلم ومعه غيره رعيا لمعنى ﴿ خصمان ﴾ .

ولم يبينا الباغي منهما لأن مقام تسكين روع داود يقتضي الإيجاز بالإجمال ثم يعقبه التفصيل ، ولإظهار الأدب مع الحاكم فلا يتوليان تعيين الباغي منهما بل يتركانه للحاكم يعين الباغي منهما في حكمه حين قال لأحدهما : ﴿ لقد ظلمك بسؤالل نعجتك إلى نعاجه ﴾ .

والفاء في ﴿ فاحكم بيننا بالحق ﴾ تفريع على قوله : ﴿ خصمان ﴾ لأن داود عليه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٣ · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٣ · ص ٢٣٣