تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقوله هنا : ﴿ وما يمسك ﴾ حذف مفعوله لدلالة قوله : ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة ﴾ عليه . والتقدير : وما يمسكه من رحمة ، ولم يذكر له بيان استغناء ببيانه من فعل .

والإرسال : ضد الإمساك ، وتعدية الإرسال باللام للتقوية لأن العامل هنا فرع في العمل .

و ﴿ من بعده ﴾ بمعنى : من دونه كقوله تعالى : ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ ( الجاثية : 23 ) ﴿ فبأي حديث بعد الله ﴾ ( الجاثية : 6 ) ، أي فلا مرسل له دون الله ، أي لا يقدر أحد على إبطال ما أراد الله من إعطاء أو منع والله يحكم لا معقب لحكمه . وتذكير الضمير في قوله : ﴿ فلا مرسل له ﴾ مراعاة للفظ ﴿ ما ﴾ لأنها لا بيان لها ، وتأنيثه في قوله : ﴿ فلا ممسك لها ﴾ لمراعاة بيان ﴿ ما ﴾ في قوله : ﴿ من رحمة ﴾ لقربه .

وعطف ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ تذييل رجح فيه جانب الإخبار فعطف ، وكان مقتضى الظاهر أن يكون مفصولا لإفادة أنه يفتح ويمسك لحكمة يعلمها ، وأنه لا يستطيع أحد نقض ما أبرمه في فتح الرحمة وغيره من تصرفاته لأن الله عزيز لا يمكن لغيره أن يغلبه ، فأن نقض ما أبرم ضرب من الهوان والمذلة . ولذلك كان من شعار صاحب السؤدد أنه يبرم وينقض قال الأعشى :

علقم ما أنت إلى عامر

الناقض الأوتار والواتر

وضمير ﴿ لها ﴾ وضمير ﴿ له ﴾ عائدان إلى ﴿ ما ﴾ من قوله : ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة ﴾ ، روعي في تأنيث أحد الضميرين معنى ﴿ ما ﴾ فإنه اسم صادق على ﴿ رحمة ﴾ وقد بين بها ، وروعي في تذكير الضمير الآخر لفظ ﴿ ما ﴾ لأنه لفظ لا علامة تأنيث فيه . وهما اعتباران كثيران في مثله في فصيح الكلام ، فالمتكلم بالخيار بين أي الاعتبارين شاء . والجمع بينهما في هذه الآية تفنن . وأوثر بالتأنيث ضمير ﴿ ما ﴾ لأنها مبينة بلفظ مؤنث وهو ﴿ من رحمة ﴾ .

.

لما جرى ذكر رحمة الله التي تعم الناس كلهم أقبل على خطابهم بأن يتذكروا

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢٢ · الصفحة ٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢٢ · ص ٢٥٣