وإذا كان نزول أول السورة على سبب ابتهاج المشركين لتغلب الفرس على الروم فقطع الله تطاولهم على المسلمين بأن أخبر أن عاقبة النصر للروم على الفرس نصرا باقيا ، وكان مثار التنازع بين المشركين والمؤمنين ميل كل فريق إلى مقاربه في الدين جعل ذلك الحدث مناسبة لإفاضة الاستدلال في هذه السورة على إبطال دين الشرك .
وقد فصلت هذه الدلائل على أربعة استئنافات متماثلة الأسلوب ، ابتدىء كل واحد منها باسم الجلالة مجرى عليه أخبار عن حقائق لا قبل لهم بدحضها لأنهم لا يسعهم إلا الإقرار ببعضها أو العجز عن نقض دليلها .
فالاستئناف الأول المبدوء بقوله ﴿ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ ، والثاني المبدوء بقوله ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ﴾ ( الروم : 40 ) ، والثالث المبدوء بقوله ﴿ الله الذي يرسل الرياح ﴾ ( الروم : 48 ) ، والرابع المبدوء بقوله : ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ﴾ ( الروم : 54 ) .
فأما قوله : ﴿ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ فاستدلال بما لا يسعهم إلا الاعتراف به وهو بدء الخلق إذ لا ينازعون في أن الله وحده هو خالق الخلق ولذلك قال الله تعالى ﴿ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ﴾ ( الرعد : 16 ) الآية . وأما قوله ﴿ ثم يعيده ﴾ فهو إدماج لأنه إذا سلم له بدء الخلق كان تسليم إعادته أولى وأجدر . وحسن موقع الاستئناف وروده بعد ذكر أمم غابرة وأمم حاضرة خلف بعضها بعضا ، وإذ كان ذلك مثالا لإعادة الأشخاص بعد فنائها وذكر عاقبة مصير المكذبين للرسل في العاجلة ، ناسب في مقام الاعتبار أن يقام لهم الاستدلال على إمكان البعث ليقع ذكر ما يعقبه من الجزاء موقع الإقناع لهم .
وتقديم اسم الجلالة على المسند الفعلي لمجرد التقوي . و ﴿ ثم ﴾ هنا للتراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، وذلك أن شأن الإرجاع إلى الله أعظم من إعادة الخلق إذ هو المقصد من الإعادة ومن بدء الخلق . فالخطاب في ﴿ ترجعون ﴾ للمشركين على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب .