سير الفلك وهول البحر ويجحد نعمة الله عليه بالنجاة ومن يجحد غير ذلك من آيات الله ونعمه . والمعنى : ومنهم جاحد بآياتنا . وفي الانتقال من الغيبة إلى التكلم في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ التفات .
والباء في ﴿ بآياتنا ﴾ لتأكيد تعدية الفعل إلى المفعول مثل قوله ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ ( المائدة : 6 ) ، وقول النابغة :
لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا
وقوله تعالى : ﴿ وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ﴾ ( الإسراء : 59 ) .
إن لم يكن ﴿ يا أيها الناس ﴾ خطابا خاصا بالمشركين فهو عام لجميع الناس كما تقرر في أصول الفقه ، فيعم المؤمن والمشرك والمعطل في ذلك الوقت وفي سائر الأزمان إذ الجميع مأمورون بتقوى الله وأن الخطوات الموصلة إلى التقوى متفاوتة على حسب تفاوت بعد السائرين عنها ، وقد كان فيما سبق من السورة حظوظ للمؤمنين وحظوظ للمشركين فلا يبعد أن تعقب بما يصلح لكلا الفريقين ، وإن كان الخطاب خاصا بالمشركين جريا على ما روي عن ابن عباس أن ﴿ يا أيها الناس ﴾ خطاب لأهل مكة ، فالمراد بالتقوى : الإقلاع عن الشرك .
وموقع هذه الآية بعد ما تقدمها من الآيات موقع مقصد الخطبة بعد مقدماتها إذ كانت المقدمات الماضية قد هيأت النفوس إلى قبول الهداية والتأثر بالموعظة الحسنة ، وإن لاصطياد الحكماء فرصا يحرصون على عدم إضاعتها ، وأحسن مثلها قول الحريري في ( المقامة الحادية عشرة ) : ( فلما ألحدوا الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، متحضر بهراوة ، فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون ، فاذكروا أيأيها الغافلون ، وشمروا أيها المقصرون ) الخ . . . فأما القلوب القاسية ، والنفوس المتعاصية ، فلن تأسوها آسية .