تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مدلولها هو ﴿ كل صبار شكور ، ﴾ ثناء على هذا الفريق صريحا ، وتعريضا بالذين لم ينتفعوا بدلالتها . واقتران الجملة بحرف ﴿ إن ﴾ لأنه يفيد في مثل هذا المقام معنى التعليل والتسبب . وجعل ذلك عدة آيات لأن في ذلك دلائل كثيرة ، أي : الذين لا يفارقهم الوصفان .

والصبار : مبالغة في الموصوف بالصبر ، والشكور كذلك ، أي : الذين لا يفارقهم الوصفان . وهذان وصفان للمؤمنين الموحدين في الصبر للضراء والشكر للسراء إذ يرجون بهما رضى الله تعالى الذي لا يتوكلون إلا عليه في كشف الضر والزيادة من الخير . وقد تخلقوا بذلك بما سمعوا من الترغيب في الوصفين والتحذير من ضديهما قال : ﴿ والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ﴾ ( البقرة : 177 ) ، وقال : ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ ( إبراهيم : 7 ) فهم بين رجاء الثواب وخوف العقاب لأنهم آمنوا بالحياة الخالدة ذات الجزاء وعلموا أن مصيرهم إلى الله الذي أمر ونهى ، فصارا لهم خلقا تطبعوا عليه فلم يفارقاهم البتة أو إلا نادرا ؛ فأما المشركون فنظرهم قاصر على الحياة الحاضرة فهم أسراء العالم الحسي فإذا أصابهم ضر ضجروا وإذا أصابهم نفع بطروا ، فهم أخلياء من الصبر والشكر ، فلذلك كان قوله ﴿ لكل صبار شكور ﴾ كناية رمزية عن المؤمنين وتعريضا رمزيا بالمشركين . ووجه إيثار خلقي الصبر والشكر هنا للكناية بهما ، من بين شعب الإيمان ، أنهما أنسب بمقام السير في البحر إذ راكب البحر بين خطر وسلامة وهما مظهر الصبر والشكر ، كما تقدم في قوله تعالى : { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك الآية في سورة يونس .

وفي قوله لكل صبار شكور } حسن التخلص إلى التفصيل الذي عقبه في قوله ﴿ وإذا غشيهم موج كالظلل ﴾ الآية ، فعطف على آيات سير الفلك إشارة إلى أن الناس يذكرون الله عند تلك الآيات عند الاضطرار ، وغفلتهم عنها في حال السلامة ، وهو ما تقدم مثله في قوله في سورة العنكبوت : { فإذا ركبوا في الفلك

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ١٩٠