تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأخذ الاختلال يتطرق إلى نظام العالم قال تعالى : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات ﴾ ( التين : 4 6 ) ، وعلى هذا الوجه يكون محمل الباء ومحمل اللام مثل محملهما على الوجه الرابع . وأطلق الظهور على حدوث حادث لم يكن ، فشبه ذلك الحدوث بعد العدم بظهور الشيء الذي كان مختفيا .

ومحمل صيغة فعل ﴿ ظهر ﴾ على حقيقتها من المضي يقتضي أن الفساد حصل وأنه ليس بمستقبل ، فيكون إشارة إلى فساد مشاهد أو محقق الوقوع بالأخبار المتواترة . وقد تحمل صيغة الماضي على معنى توقع حصول الفساد والإنذار به فكأنه قد وقع على طريقة ﴿ أتى أمر الله ﴾ ( النحل : 1 ) . وأيا ما كان الفساد من معهود أو شامل ، فالمقصود أن حلوله بالناس بقدرة الله كما دل عليه قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا ﴾ ، وأن الله يقدر أسبابه تقديرا خاصا ليجازي من يغضب عليهم على سوء أفعالهم . وهو المراد بما كسبت أيديهم لأن إسناد الكسب إلى الأيدي جرى مجرى المثل في فعل الشر والسوء من الأعمال كلها ، دون خصوص ما يعمل منها بالأيدي لأن ما يكسبه الناس يكون بالجوارح الظاهرة كلها ، وبالحواس الباطنة من العقائد الضالة والأدواء النفسية .

و ﴿ ما ﴾ موصولة ، وحذف العائد من الصلة ، وتقديره : بما كسبته أيدي الناس ، أي بسبب أعمالهم . وأعظم ما كسبته أيدي الناس من الأعمال السيئة الإشراك وهو المقصود هنا وإن كان الحكم عاما . ويعلم أن مراتب ظهور الفساد حاصلة على مقادير ما كسبت أيدي الناس ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسئل : أي الذنب أعظم ؟ ( أن تدعو لله ندا وهو خلقك ) ، وقال تعالى : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ ( الشورى : 30 ) وقال : ﴿ وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ﴾ ( الجن : 16 ) .

ويجري حكم تعريف ﴿ الناس ﴾ على نحو ما يجري في تعريف ﴿ الفساد ﴾ من عهد أو عموم ، فالمعهود هم المشركون وقد شاع في القرآن تغليب اسم ﴿ الناس ﴾ عليهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ١١٢