تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعني بالبحرة : مدينة يثرب وفيه بعد . وكأن الذي دعا إلى سلوك هذا الوجه في إطلاق البحر أنه لم يعرف أنه حدث اختلال في سير الناس في البحر وقلة فيما يخرج منه . وقد ذكر أهل السير أن قريشا أصيبوا بقحط وأكلوا الميتة والعظام ، ولم يذكروا أنهم تعطلت أسفارهم في البحر ولا انقطعت عنهم حيتان البحر ، على أنهم ما كانوا يعرفون بالاقتيات من الحيتان .

وعلى هذه الوجوه الثلاثة يكون الباء في قوله بما كسبت أيدي الناس } للعوض ، أي جزاء لهم بأعمالهم ، كالباء في قوله تعالى : ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ ( الشورى : 30 ) ، ويكون اللام في قوله ﴿ ليذيقهم ﴾ على حقيقة معنى التعليل .

ويجوز أن يكون المراد بالفساد : الشرك قاله قتادة والسدي فتكون هذه الآية متصلة بقوله ﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم إلى قوله : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ ( الروم : 40 ) ، فتكون الجملة إتماما للاستدلال على وحدانية الله تعالى تنبيها على أن الله خلق العالم سالما من الإشراك ، وأن الإشراك ظهر بما كسبت أيدي الناس من صنيعهم . وهذا معنى قوله في الحديث القدسي في ( صحيح مسلم ) : ( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وأنهم أتتهم الشياطين فأجالتهم عن دينهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ) الحديث .

فذكر البر والبحر لتعميم الجهات بمعنى : ظهر الفساد في جميع الأقطار الواقعة في البر والواقعة في الجزائر والشطوط ، ويكون الباء في قوله ﴿ بما كسبت أيدي الناس ﴾ للسببية ، ويكون اللام في قوله ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا ﴾ لام العاقبة ، والمعنى : فأذقناهم بعض الذي عملوا ، فجعلت لام العاقبة في موضع الفاء كما في قوله تعالى : ﴿ فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ﴾ ( القصص : 8 ) ، أي فأذقنا الذين أشركوا بعض ما استحقوه من العذاب لشركهم . ويجوز أن يكون المعنى أن الله تعالى خلق العالم على نظام محكم ملائم صالح للناس فأحدث الإنسان فيه أعمالا سيئة مفسدة ، فكانت وشائج لأمثالها :

وهل ينبت الخطي إلا وشيجه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٢١ · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٢١ · ص ١١١