والإذاقة : استعارة مكنية ؛ شبه ما يصيبهم من الآلام فيحسون بها بإصابة الطعام حاسة المطعم . ولما كان ما عملوه لا يصيبهم بعينه تعين أن بعض الذي عملوا أطلق على جزاء العمل ولذلك فالبعضية تبعيض للجزاء ، فالمراد بعض الجزاء على جميع العمل لا الجزاء على بعض العمل ، أي أن ما يذيقهم من العذاب هو بعض ما يستحقونه . وفي هذا تهديد إن لم يقلعوا عن مساوىء أعمالهم كقوله تعالى : ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ ( فاطر : 45 ) ، ثم وراء ذلك عذاب الآخرة كما قال تعالى : ﴿ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴾ ( طه : 127 ) .
والعدول عن أن يقال : بعض أعمالهم إلى ﴿ بعض الذي عملوا ﴾ للإيماء إلى ما في الموصول من قوة التعريف ، أي أعمالهم المعروفة عندهم المتقرر صدورها منهم .
والرجاء المستفاد من ( لعل ) يشير إلى أن ما ظهر من فساد كاف لإقلاعهم عما هم اكتسبوه ، وأن حالهم حال من يرجى رجوعه فإن هم لم يرجعوا فقد تبين تمردهم وعدم إجداء الموعظة فيهم ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ﴾ ( التوبة : 126 ) .
والرجوع مستعار للإقلاع عن المعاصي كأن الذي عصى ربه عبد أبق عن سيده ، أو دابة قد أبدت ، ثم رجع . وفي الحديث ( الله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال : أرجع إلى مكاني ، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا دابته عنده ) .
وقرأ الجمهور ﴿ ليذيقهم ﴾ بالياء التحتية ، أي ليذيقهم الله . ومعاد الضمير قوله ﴿ الله الذي خلقكم ﴾ ( الروم : 40 ) . وقرأه قنبل عن ابن كثير وروح عن عاصم بنون العظمة .