تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أتبع هذا بقوله : ﴿ وألق عصاك ﴾ . والمعنى : وقلنا ألق عصاك .

والاهتزاز : الاضطراب ، وهو افتعال من الهز وهو الرفع كأنها تطاوع فعل هاز يهزها . والجان : ذكر الحيات ، وهو شديد الاهتزاز وجمعه جنان ( وأما الجان بمعنى واحد الجن فاسم جمعه جن ) . والتشبيه في سرعة الاضطراب لأن الحيات خفيفة التحرك ، وأما تشبيه العصا بالثعبان في آية ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ ( الأعراف : 107 ) فذلك لضخامة الجرم .

والتولي : الرجوع عن السير في طريقه . وفعل ( تولى ) مرادف فعل ﴿ ولى ﴾ كما هو ظاهر صنيع ( القاموس ) وإن كان مقتضى ما في فعل ( تولى ) من زيادة المبنى أن يفيد ( تولى ) زيادة في معنى الفعل . وقد قال تعالى : ﴿ ثم تولى إلى الظل ﴾ في سورة القصص ( 24 ) . ولعل قصد إفادة قوة توليه لما رأى عصاه تهتز هو الداعي لتأكيد فعل ﴿ ولى ﴾ بقوله : ﴿ مدبرا ولم يعقب ﴾ فتأمل .

والإدبار : التوجه إلى جهة الخلف وهو ملازم للتولي فقوله : ﴿ مدبرا ﴾ حال لازمة لفعل ﴿ ولى ﴾ .

والتعقب : الرجوع بعد الانصراف مشتق من العقب لأنه رجوع إلى جهة العقب ، أي الخلف ، فقوله : ﴿ ولم يعقب ﴾ تأكيد لشدة توليه ، أي ولى توليا قويا لا تردد فيه . وكان ذلك التولي منه لتغلب القوة الواهمة التي في جبلة الإنسان على قوة العقل الباعثة على التأمل فيما دل عليه قوله : ﴿ أنا الله العزيز ﴾ من الكناية عن إعطائه النبوءة والتأييد ، إذ كانت القوة الواهمة متأصلة في الجبلة سابقة على ما تلقاه من التعريض بالرسالة ، وتأصل القوة الواهمة يزول بالتخلق وبمحاربة العقل للوهم فلا يزالان يتدافعان ويضعف سلطان الوهم بتعاقب الأيام .

وقوله : ﴿ يا موسى لا تخف ﴾ مقول قول محذوف ، أي قلنا له . والنهي عن الخوف مستعمل في النهي عن استمرار الخوف . لأن خوفه قد حصل . والخوف الحاصل لموسى عليه السلام خوف رغب من انقلاب العصا حية وليس خوف ذنب ، فالمعنى : لا يجبن لدي المرسلون لأني أحفظهم .

و ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون ﴾ تعليل للنهي عن الخوف وتحقيق لما يتضمنه

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ١٩ · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ١٩ · ص ٢٢٨